مسؤول بأمنستي للجزيرة نت: المصالح و"الجيوسياسية" تحولان دون إحقاق العدالة بملف خاشقجي

هينسمانس: قمنا بفعاليات لتنوير الرأي العام للمطالبة بمحاكمة حقيقية للجناة (موقع منظمة العفو ببلجيكا)
هينسمانس: قمنا بفعاليات لتنوير الرأي العام للمطالبة بمحاكمة حقيقية للجناة (موقع منظمة العفو ببلجيكا)

هشام أبو مريم-بروكسل

أكد المدير العام لمنظمة العفو الدولية في بلجيكا فيليب هينسمانس أن المصالح الاقتصادية إضافة إلى الأهمية الجيوسياسية للسعودية في منطقة الشرق الأوسط هما السبب في تلكؤ الدول الغربية -وعلى رأسها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي- في الضغط على النظام السعودي من أجل محاكمة الجناة في ملف اغتيال الصحفي جمال خاشقجي.

واعتبر هينسمانس أن دولا كبرى في مجلس الأمن -وعلى رأسها الولايات المتحدة وفرنسا- تحول دون تدويل الملف، ولن تترد في استخدام حق النقض لإجهاض الخطوة. ورغم ما يحظى به ولي العهد محمد بن سلمان من دعم غربي فإن دولا أوروبية -بينها بلجيكا- لم تتردد في التنديد بالانتهاكات الجسيمة للحريات وحقوق الإنسان في السعودية، الأمر الذي أجبر النظام على اتخاذ سلسلة تدابير وإصلاحات غير مسبوقة في مجال حقوق الإنسان.

- هل أجهضت الولايات المتحدة ودول أوروبية المساعي لمحاكمة النظام السعودي وعدم توريط ولي العهد السعودي في حادث الاغتيال؟

لا يمكنني الجزم بأن هناك نية مبيتة لقبر هذا الملف من قبل الحكومات الغربية، ولكن من المؤكد أن هناك مزيجا من المصالح، بينها المصالح الاقتصادية والملفات الجيوسياسية في المنطقة، التي لعبت دورا كبيرا في طريقة تعامل الغرب مع هذه القضية، من خلال عدم التعرض للسعودية والمطالبة بمحاكمة حقيقية للجناة، والاكتفاء بعبارات التنديد والشجب.

ويجب التنويه إلى أن عدة دول أوروبية لم تكتف بالتنديد فقط، بل اتخذت إجراءات ملموسة، بينها ألمانيا التي قررت وقف تصدير السلاح للسعودية بعد عملية اغتيال خاشقجي.

كما أن عدة دول أوروبية -بينها بلجيكا- اتخذت موقفا واضحا من انتهاك حقوق الإنسان وغياب الديمقراطية في السعودية. أما الموقف الأميركي فهو من الواضح أنه دافع باستماتة عن السعودية بسبب العلاقات والمصالح الثنائية بين واشنطن والرياض.

ورغم ما يحظى به النظام السعودي من الدعم الغربي، أعتقد أن هناك ضغوطا دولية تمارس عليه، الأمر الذي دفع ولي العهد محمد بن سلمان إلى اتخاذ سلسلة من الإصلاحات غير المسبوقة في مجال حقوق الإنسان، حتى وإن كانت في ظاهرها سطحية وتلقى مقاومة من قبل التيار الديني المحافظ في البلاد.

- هل هناك ضغوط في أورقة الأمم المتحدة من قبل الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية من أجل عدم تدويل ملف اغتيال جمال خاشقجي؟

مما لا شك فيه أن هناك ضغوطا دولية قوية في أروقة الأمم المتحدة للحيلولة دون تدويل قضية خاشقجي.

ومن أجل تدويل الملف يحتاج الأمين العام للأمم المتحدة الضوء الأخضر من قبل مجلس الأمن، الذي تعتبر الولايات المتحدة عضوا دائما فيه. وبالتالي فإن أي محاولة لتدويل الملف لن يصطدم فقط بالفيتو الأميركي، بل من المحتمل جدا أن تنقضه دول أخرى دائمة العضوية مثل الصين وروسيا، وربما فرنسا أيضا، لأن هذه الدول عادة تعارض هذا النوع من القرارات.

- هل طلبتم كمنظمة دولية من الأمم المتحدة المشاركة في التحقيقات من أجل معرفة الحقيقة في ملف خاشقجي؟

لا نشارك في أي تحقيقات جنائية رسمية تقوم بها الأمم المتحدة، مشاركتنا تتمثل في إفادة وإطلاع المنظمة على ما حصلنا عليه من وثائق وتقارير.

هذا النوع من التحقيقات الجنائية يتطلب موارد بشرية ومادية كبيرة لا نتوفر عليها، كما أن الوصول للمتهمين والوثائق أمر صعب بالنسبة لدولة مثل السعودية، ولهذا نحن ندعم ونعول على تحقيقات المحققة الخاصة أنياس كالامار. 

بالنسبة لمنظمتنا، قمنا بفعاليات في الذكرى الأولى لاغتيال خاشقجي من أجل تنوير الرأي العام في هذا الملف، من أجل المطالبة بمحاكمة حقيقية للجناة، وإبراز واقع وغياب حقوق الإنسان في السعودية.

سنواصل المطالبة بإحقاق العدالة في ملف خاشقجي ومعاقبة الجناة وتقديمهم للمحاكمة. ومن المؤكد أن ولي العهد السعودي يتحمل المسؤولية في مقتل خاشقجي، ولهذا يجب أن تتكشف الحقيقة عن دوره في عملية الاغتيال.

فيليب هينسمانس خلال وقفة لمنظمة العفو الدولية أمام السفارة السعودية في بروكسل في الذكرى الأولى لاغتيال خاشقجي (موقع المنظمة)

- هل تعتقدون أن محمد بن سلمان سيمثل يوما ما أمام المحاكم الدولية، خاصة بعد اعترافه بتحمله المسؤولية السياسية في اغتيال جمال خاشقجي؟

اعتقد أن هذه الفرضية مستبعدة، أولا لأن السعودية لم توقع على ميثاق الانضمام لمحكمة الجنايات الدولية، وثانيا لأنه يتوجب على مجلس الأمن التصويت على قرار من أجل محاكمة السعودية أمام محكمة الجنايات.

كما قلت سابقا، إن إدارة ترامب ستعرقل أي قرار من شأنه أن يضر العلاقات الإستراتيجية بين واشنطن والرياض.

اعتقد أن الغرب تربطه مصالح اقتصادية قوية بينها صفقات الأسلحة، والنفط والعقود مع الشركات الغربية من خلال الإصلاحات الليبرالية التي يسعى محمد بن سلمان لتنفيذها من أجل تنويع موارد البلاد في شتى المجالات، وبالتالي فإن الضغوط الغربية على السعودية تبقى ضعيفة لأنها لا تريد أن تتعارض مع مصالحها في هذه المنطقة الملتهبة من العالم، والتي تعتبر إستراتيجية من حيث إمدادات سوق النفط العالمية.

وإذا نظرنا إلى تصويت مجلس حقوق الإنسان التابع للأم المتحدة فسنلاحظ أن السعودية لا تحظى بدعم فقط من الدول الأوروبية والولايات المتحدة، بل هناك دول أخرى من العالم تدعم النظام السعودي، الذي نجح في نسج علاقات قوية معها باستخدام الجانب الاقتصادي أو الروحي أحيانا أخرى مثل باكستان.

- ما موقفكم من مواصلة عدد من الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية بيع الأسلحة للسعودية، حتى بعد حادث اغتيال خاشقجي، وتورطها في ارتكاب جرائم مروعة في اليمن، وصفتها عدة تقارير أممية بأنها ترقى لجرائم حرب؟

إنه أمر مستهجن ونستنكره بشدة، يجب وقف بيع الأسلحة للسعودية والإمارات؛ لأنهما متورطتان في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في اليمن، وضالعتان في ارتكاب مجازر وقتل المدنيين. ولا ننسى أن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في اليمن لا تقتصر على دول التحالف بقيادة السعودية، ولكن كل أطراف النزاع متورطة أيضا، بما فيها جماعة الحوثيين المدعومة من إيران.

يجب فصل الشق السياسي عن الشق القانوني بالنسبة لملف بيع الأسلحة، حيث إن بعض الدول مثل بريطانيا رغم دعمها ومواصلة بيعها الأسلحة للسعودية، فإن القضاء البريطاني أوقف هذا النوع من الصفقات. الشيء نفسه في بلجيكا؛ فقد أمرت المحاكم بوقف بيع الأسلحة للسعودية، ويجب على دول الاتحاد الأوروبي أن تكون على قلب رجل واحد وتوقف بشكل نهائي بيع الأسلحة للسعودية والإمارات، حتى تضع الحرب أوزارها وتتوقف الانتهاكات واستهداف المدنيين العزل.

- هل يمكن رفع دعاوى قضائية في أوروبا ضد بعض الدول الأوروبية التي تواصل بيع الأسلحة للسعودية والإمارات؟

البلدان التي تواصل بيع الأسلحة للسعودية مثل فرنسا والولايات المتحدة تتحمل أيضا المسؤولية السياسية والجنائية والأخلاقية بسبب استخدام هذه الأسلحة لارتكاب انتهاكات فظيعة لحقوق الإنسان في اليمن، فمثلا في بلجيكا بعد رفع شكاوى على يد منظمات حقوقية، أوقف مجلس الدولة البلجيكي عدة رخص أجازتها حكومة إقليم والونيا لبيع الأسلحة للسعودية. والشيء نفسه في بريطانيا التي علقت محاكمها منح تراخيص بيع الأسلحة للسعودية والإمارات خشية استخدامها ضد المدنيين في اليمن.

- ما رأيكم في قرار بعض دول الاتحاد الأوروبي التشديد في ملف اللجوء السياسي، حتى للمواطنين القادمين من مناطق الحروب والنزاعات المسلحة؟

موقف منظمتنا واضح في هذا الملف، ونحن نستهجن كل القرارات السياسية لكل الحكومات الأوروبية وغير الأوروبية التي لا تحترم هذا الحق الإنساني الذي تكفله المواثيق والمعاهدات الدولية. هناك مدّ يميني شعبوي متطرف في عدد من الدول الأوروبية، وبات يستغل ملف الهجرة واللاجئين ككبش فداء بسبب عجز هذه الأحزاب عن تقديم حلول ناجعة لكل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي تتخبط فيها هذه البلدان.

- ما موقفكم من قرار بعض الأقاليم في بلجيكا حظر الذبح الحلال على الطريقة الإسلامية؟

هذا القرار سببه التقاء مصالح بين جمعيات مدافعة عن حقوق الحيوانات وحركة "النباتيين"، وخطاب يميني متطرف معادٍ للمسلمين في بلجيكا. ويجب التذكير بأن القرار يستهدف المجتمعين المسلم واليهودي في بلجيكا، ونحن في المنظمة نستهجن كل أشكال خطاب الكراهية ضد المسلمين واليهود على حد سواء.

المصدر : الجزيرة