سعد الحريري.. وريث الصدفة السائر في حقل ألغام السياسة اللبنانية

سعد الحريري استقال من منصب رئيس الوزراء في لبنان أمس الثلاثاء معلنا أنه وصل إلى "طريق مسدود" (رويترز)
سعد الحريري استقال من منصب رئيس الوزراء في لبنان أمس الثلاثاء معلنا أنه وصل إلى "طريق مسدود" (رويترز)

لم يكن طريق رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري منذ دخوله معترك الحياة السياسية مفروشا بالورود؛ فقد كان على الابن المصدوم باغتيال والده رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري أن يسير في حقل ألغام الداخل اللبناني.

وعقب 14 سنة من العمل السياسي، تخللها ترؤسه ثلاث حكومات، يجد الحريري نفسه في "طريق مسدود" أجبره على الاستقالة استجابة لمطالب الشارع الغاضب، ورغبة منه في إحداث صدمة إيجابية وتأليف حكومة جديدة.

وبين الصدمة الأولى الناجمة عن اغتيال والده، والتي دفعته إلى أعلى هرم السلطة، والصدمة الثانية التي اختارها الحريري لهزّ المشهد السياسي؛ تغيّرت الكثير من الأمور، فكيف كانت مسيرة الحريري السياسية في هذه الفترة؟

اغتيال رفيق الحريري مثّل نقطة تحوّل في مسيرة ابنه سعد (الأوروبية)
بين الأعمال والسياسة
لم يكن سعد -ثاني أبناء رفيق الحريري من زوجته الأولى نضال بستاني، والمولود في العاصمة السعودية الرياض- مولعا بالسياسة؛ فقد اقتحم عقب حصوله على شهادة إدارة الأعمال الدولية من جامعة جورج تاون بالولايات المتحدة عالم الأعمال.

وعقب ترؤسه عددا من الشركات البارزة التي أسسها والده، ومن بينها "سعودي أوجيه" في الفترة الممتدة بين 1994 و2005؛ وجد الحريري الابن نفسه في عالم آخر لا يقل إثارة عن عالم الأعمال.

لكن دخول الحريري عالم السياسة لم يكن بإرادته، فبعد اغتيال والده في تفجير موكبه ببيروت في 14 فبراير/شباط 2005، توقع كثيرون أن يتسلم الابن البكر بهاء الدين الحريري الراية ويتولى قيادة المحور السياسي الذي كان يقوده والده بحكم أنه الأكبر سنا والأكثر ثراء بين أفراد العائلة، ولكن لسبب ما تأخر الكبير وتقدم الشقيق الأصغر، وقيل في ما بعد إن السعودية رفضته واختارت بدلا منه شقيقه الأصغر سنا سعد الحريري، ليكمل مسيرة والده الراحل.

وبهذا "التقدّم" شعّ نجم سعد الحريري؛ ليصبح أحد أهم أقطاب السياسة اللبنانية، وليتحمّل مسؤولية التركة السياسية لوالده، في حين قبل الأخ الأكبر الأمر على مضض. 

وفي أول خطوة، تزعم سعد الحريري تيار المستقبل، وشكل "تكتل قوى 14 آذار" الذي ضم قوى سياسية، من أبرزها تيار المستقبل بزعامته، والحزب التقدمي الاشتراكي، وحزب الكتائب، والقوات اللبنانية.

انتخب الحريري عام 2005 نائبا في البرلمان، ثم أعيد انتخابه لدورة البرلمان لعام 2009، وتمكنت "قوى 14 آذار" من الحصول على الأكثرية النيابية في الدورتين.

ويوم 27 يونيو/حزيران 2009 كُلف سعد الحريري من قبل الرئيس ميشال سليمان بتشكيل الحكومة، لكنه واجه صعوبات عديدة ليعلن في العاشر من سبتمبر/أيلول 2009 اعتذاره عن تشكيلها.

تكليف وصعوبات
وعقب إعادة تكليفه من قبل رئيس الجمهورية، وجولة حوارات ومفاوضات شاقة مع مختلف التيارات السياسية؛ استطاع الحريري أن يعلن تشكيل حكومته الأولى بتاريخ التاسع من نوفمبر/تشرين الثاني 2009.

واجهت حكومته صعوبات عديدة مع اقتراب صدور القرار الظني في جريمة اغتيال والده، حيث أصر وزراء حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر على طرح موضوع شهود الزور بالقضية، وطلب إحالتهم إلى المجلس العدلي.

وفي ظل هذه الأزمة السياسية استقال وزراء تكتل الإصلاح والتغيير وحركة أمل وحزب الله في 12 يناير/كانون الثاني 2011 من الحكومة، وارتفع عدد الوزراء المستقيلين ليصل إلى 11 وزيرا، مما أفقد الحكومة نصابها الدستوري وجعلها حكومة مستقيلة.

بعد سقوط حكومته، غادر سعد الحريري لبنان عام 2011 ليعيش بالمنفى الاختياري متنقلا بين فرنسا والسعودية، ثم عاد في أغسطس/آب 2014 في ظل فراغ موقع رئاسة الجمهورية بعد انتهاء فترة الرئيس ميشال سليمان واستقطاب حاد في الساحة الداخلية.

في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني 2016 كلف الرئيس ميشال عون سعد الحريري بتشكيل حكومة جديدة بعد تأييد معظم النواب والكتل البرلمانية، لا سيما كتلة التغيير والإصلاح التي كان يرأسها عون.

وبهذا التكليف عاد سعد الحريري الذي شغل منصب رئيس الوزراء بين عامي 2009 و2011 إلى السراي الحكومي في إطار صفقة تسوية أدت إلى انتخاب عون رئيسا في 31 أكتوبر/تشرين الأول 2016 منهيا فراغا في الموقع الأول للبلاد استمر 29 شهرا.

استقالة وتراجع
فجّر الحريري أزمة سياسية ودبلوماسية تطورت لاحقا إلى أزمة بين لبنان والسعودية بعد إعلانه في الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني 2017 استقالته من رئاسة الحكومة، وذلك في خطاب متلفز من العاصمة الرياض بثته وسائل إعلام سعودية.

وأعرب الحريري في خطاب الاستقالة عن خشيته من تعرضه للاغتيال، مضيفا "لمست ما يحاك سرا لاستهداف حياتي"، مشيرا إلى أن ذلك يشبه المرحلة التي سبقت اغتيال والده رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري.

وأشار الحريري إلى الأسباب التي دفعته للاستقالة بقوله إنه يشعر بوجود دولة داخل الدولة، في إشارة إلى حزب الله، وشدد على رفضه استخدام سلاح الحزب ضد اللبنانيين والسوريين، وقال إن "تدخل حزب الله تسبب لنا في مشكلات مع محيطنا العربي".

بقي الحريري نحو أسبوعين في السعودية تردد خلالها حديث واسع عن وجوده في إقامة جبرية، بل قال الرئيس اللبناني في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2017 إن رئيس الوزراء تعرض إلى "الخطف". وطالب السعودية بتوضيحات عن وضعه الذي يكتنفه الغموض، وانضمت واشنطن إلى المطالبين بعودته إلى بلاده.

وفي 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2017 غادر الحريري الرياض متوجها إلى فرنسا بعد أسبوعين من استقالته المفاجئة التي أثارت تساؤلات عما إذا كان محتجزا، وذلك بعد تدخل فرنسي لدى السلطات السعودية.

وفي 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2017 وصل إلى بلاده (لبنان)، وأعلن بعد لقاء له مع الرئيس ميشال عون التراجع عن استقالته بعد طلب من الرئيس، وجدد دعوته إلى النأي بالنفس عن كل ما يمس الأشقاء العرب، حسب قوله.

فرحة في الشارع اللبناني عقب استقالة الحريري (رويترز)

انتخابات وأزمة
خلال الانتخابات النيابية التي جربت في مايو/أيار 2018 تراجع حزب الحريري (تيار المستقبل)، وحصل على 21 مقعدا فقط، مما يعني خسارته ثلث المقاعد التي فاز بها عام 2009، مقابل فوز حزب الله وحلفائه بأكثر من نصف المقاعد.

وبعد انتظار استمرّ تسعة أشهر، من تكليف عون للحريري بتشكيل حكومته الثالثة، أعلن الحريري تشكيلها من ثلاثين وزيرا في 31 يناير/كانون الأول 20019.

لكن هذه الحكومة التي لم يمض على تشكيلها عام واحد، تواجه أزمة عاصفة منذ نحو أسبوعين من الاحتجاجات الكبيرة المطالبة برحيلها، وتشكيل حكومة كفاءات، وإجراء انتخابات مبكرة، واستعادة الأموال المنهوبة، ومكافحة الفساد المستشري ومحاسبة المفسدين.

المصدر : الجزيرة + وكالات