ناشيونال إنترست: هكذا يتجنب العراق الانزلاق إلى الهاوية

مقاتلو الحشد الشعبي أثناء تدريب سابق (رويترز)
مقاتلو الحشد الشعبي أثناء تدريب سابق (رويترز)

أكدت مجلة "ناشيونال إنترست" الأميركية أن النظام السياسي العراقي غير المستقر لا يستطيع أن يقلل من النفوذ الإيراني في هذه المرحلة، كما أنه لن يفيد الاستقرار في الشرق الأوسط أو أسواق الطاقة الدولية، ولن يقلل أيضا من التطرف في المنطقة.

وقال الكاتبان روبرت فورد وراندا سليم في تدوينة نشرتها المجلة إنهما لاحظا خلال زيارتهما إلى العراق الشهر الماضي أن الحياة هناك تتحسن بثبات، وهناك اليوم ازدحام في حركة المرور خلال ساعة الذروة وقت الظهيرة، كما تمتلئ الشوارع والمطاعم حتى ساعات متأخرة.

في المقابل، لا تزال هناك مشكلة في التيار الكهربائي، إذ يحدث انقطاع بشكل منتظم، بينما تحسنت إمدادات المياه في العاصمة بشكل كبير. علاوة على ذلك، شهدت البصرة، ثاني أكبر مدينة في البلاد، تحسنا في خدمات البنية التحتية بما يكفي لمنع تكرار أعمال الشغب التي جدت في المنطقة في صيف 2018.

في الواقع، قد لا تكون العملية السياسية مثالية، لكن العراق تمكن خلال العام الماضي من تغيير رئيسه ورئيس وزرائه دون اللجوء إلى حملات عنف أو اعتقال كبيرة. وفي وقت سابق من هذا الصيف، كانت هناك مسيرات احتجاج سلمية ضد عدم كفاءة الحكومة والفساد الموجود في العديد من المحافظات، لكن قوات الأمن اكتفت بالمراقبة وعدم التدخل. وأكد جميع العراقيين الناشطين في الشؤون السياسية الموجودين خارج الحكومة أنه لم يقبض على أي من معارضي الحكومة.

وأضاف الكاتبان أن العراقيين يتعلمون عادات سياسية جديدة ببطء على امتداد سنوات وربما أجيال، ولكن مقارنة بما كان عليه الوضع قبل عشر سنوات، هناك تقدم ملحوظ. على سبيل المثال، تحسنت العلاقة بين الحكومة في بغداد وإقليم كردستان العراق دائم الاضطراب بفضل الجهود التي يبذلها رئيس الوزراء عادل عبد المهدي ووزير المالية (الكردي) فؤاد حسين.

الكاتبان قالا إن الحياة في العراق تتحسن بثبات (رويترز)

علامة أمل
وأورد الكاتبان أنه خلال زيارتهما لصالون سياسي كبير في بغداد، لاحظا علامة أمل أخرى عن التطور السياسي، فخلال الحرب الأهلية والفترة التي أعقبتها مباشرة، نادرا ما اختلط الشيعة والسنة والأكراد اجتماعيا، كما كان هناك انقسام مماثل بين الإسلاميين والسياسيين العلمانيين. وفي المقابل، استقطب الصالون أكثر من مئة رجل وامرأة من خلفيات متنوعة، كانوا موجودين جميعا للاستماع إلى رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي خلال خوضه نقاشا واسعا حول دور المعارضة في السياسة العراقية.

وفي هذا السياق، كانت هناك مسألتان مهمتان على وجه الخصوص تحدث عنها الجميع علنا. تمثّلت المسألة الأولى في الفساد، حيث يتصدر العراق قائمة الدول الأكثر فسادا في العالم. على سبيل المثال، استقال وزير الصحة علاء العلوان وعاد إلى جنيف، وقال في صفحته على فيسبوك إنه اضطر إلى الاستقالة لأنه لم يستطع جمع الدعم السياسي الكافي لوقف الممارسات الفاسدة في وزارته. وفي الواقع، لم يتمكن أي من المسؤولين العراقيين، الذين تحاور معهم الكاتبان، من وضع خطة من شأنها أن تبدأ في معالجة هذا الفساد.

وأوضح الكاتبان أن إيران وحلفاءها غارقون في الفساد، إضافة إلى ضعف نفوذ رئيس الوزراء، كما أن كبار مستشاريه كانوا مرتبطين بطهران. في المقابل، لم يكن لأوامر رئيس الوزراء أي تأثير، حيث فشل في يوليو/تموز 2018 في إزاحة نقاط تفتيش تابعة لمليشيات خارج الموصل. وفي النهاية، اضطر تقبّل وجود المليشيات المتبقية. ومن جهة أخرى، فرض الأميركيون عقوبات على المليشيات، لكن نقاط التفتيش لا تزال موجودة إلى يومنا هذا ولا تزال المليشيات تجمع الضرائب.

ونظرا لتقلّص الموارد المالية الإيرانية نتيجة للعقوبات الأميركية، أنشأت المليشيات الموالية لإيران شركاتها الخاصة وعصابات التهريب لضمان سلامتها المالية، كما يتلقّون إيرادات كبيرة من طرف الحكومة العراقية، لأنهم يمثلون جزءا من المؤسسة الأمنية العراقية. وفي الوقت ذاته، تحاول الحكومة بذل أقصى جهودها لاحتواء المليشيات.

عبد المهدي زار السعودية مؤخرا في محاولة لتخفيف التوتر في الخليج (الأناضول)

تجنب الحرب
وذكر الكاتبان أن جميع العراقيين الذين قابلوهم كانوا يأملون ألا تخوض الولايات المتحدة الحرب مع إيران، لأنهم يعتقدون أن بلادهم لا تستطيع أن تتحمل لفترة طويلة البقاء وسط هذا الصراع. وفي 25 سبتمبر/أيلول، سافر رئيس الوزراء عادل عبد المهدي إلى السعودية للتحاور مع قادتها حول الدور الذي يمكن أن يلعبه العراق في تخفيف التوترات في منطقة الخليج.

علاوة على ذلك، أكد العراقيون أن هناك مجالات لا تستطيع فيها إيران مساعدة العراق على الإطلاق مثل التعليم والإصلاح وتطوير القطاع المصرفي وتوظيف التكنولوجيا في الاقتصاد. ويعي جميع الذين تحدّثوا مع الكاتبين في بغداد وأربيل، من ضمنهم العراقيون الذين لديهم علاقات عميقة بإيران، أن العراق يستفيد من علاقات متوازنة نسبيا مع كل من الولايات المتحدة وإيران، ولا يقبل أن يجبر على الاختيار بين البلدين.

وللمضي قدما في تحقيق هذا الهدف، لا يمكن أن تتمحور العلاقة بين الولايات المتحدة والعراق حول التنافس مع إيران وتحديد معايير استقلاله عن النفوذ الإيراني فقط. عوضا عن ذلك، يجب أن تفكر الولايات المتحدة في العمل مع العراقيين ذوي التفكير المماثل لمساعدة النظام السياسي المتذبذب على توسيع جذوره واستقراره تدريجيا.

وفي الختام، هناك بعض المؤشرات الإيجابية والسلبية حول تطور السياسة العراقية، لكن نجاح العراق غير مضمون رغم اهتمام الولايات المتحدة بالأمر وتقديمها المساعدة من أجل المضي قدما. في المقابل، أوضح العراقيون أنه دون هذا الاهتمام والمساعدة ستكون جهودهم الناشئة في الحكم الرشيد وإعادة الإعمار والعلاقات السلمية مع جميع جيرانهم في الحضيض.

المصدر : ناشونال إنترست