جابر سمور.. مزارع على خط النار في غزة


رائد موسى-غزة


يشعر الفلسطيني جابر سمور بالفخر، كونه أول مزارع ينجح في إنشاء بركة زراعية هي الوحيدة في مواجهة السياج الأمني الإسرائيلي في بلدة خزاعة شرق مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، وبها أحيا زراعة المحاصيل البعلية لأول مرة منذ سنوات طويلة.

ومنذ فرض الحصار على القطاع الساحلي الصغير منتصف يونيو/حزيران عام 2007، منعت قوات الاحتلال الإسرائيلي وصول المزارعين إلى أراضيهم الزراعية الواقعة في الجهتين الشرقية والشمالية للقطاع، وزراعتها بهذه المحاصيل الموسمية.

وفي مبادرة منه استأجر المزارع سمور، 15 دونما ظلت خالية بعدما هجرها أصحابها على مدار 11 عاما، بسبب عمليات التوغل والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة في المنطقة.

وقال سمور (37 عاما)، للجزيرة نت، إنه أنشأ البركة الزراعية عقب استئجاره الأرض، لعدم وجود شبكات ري في المنطقة، التي تعرضت بنيتها الزراعية على مدار السنوات الماضية لتدمير شامل من جانب قوات الاحتلال الإسرائيلي.

جابر سمور.. عين على الأرض وعين على الاحتلال  (الجزيرة)

إصرار
وتحمل سمور جهدا وتكاليف مالية كبيرة في إيصال إمدادات المياه من أقرب بئر مياه تبعد عن أرضه الزراعية أكثر من 1500 متر، ليروي محصوله، الذي يرعاه يوميا وكأنه طفل من أطفاله، ويشعر بسعادة غامرة وهو يرقب نموه يوما بعد يوم.

لكن سمور لا يخفي قلقه الدائم من إقدام قوات الاحتلال الإسرائيلي على مباغتته وتجريف أرضه ومحصوله، ويقول "أعمل في هذه الأرض منذ ساعات الصباح الأولى وحتى مغيب الشمس، وعيني على المحصول والعين الثانية على آليات قوات الاحتلال التي لا تفارق المنطقة على مدار الساعة".

وبعدما نجح سمور في تجربته الأولى في زراعة بعض المحاصيل البعلية البسيطة، مثل السبانخ والبقدونس والجرادة يحلم بالتوسع وزراعة محاصيل أخرى.

ويبدي سمور إصرارا كبيرا على مواصلة العمل من أجل تحقيق حلمه، ويقول "الزراعة مهنتي التي لا أعرف سواها، وهي مصدر الرزق الذي أعيش منه وأسرتي المكونة من ستة أفراد".

على الدرب
تجربة سمور أثارت إعجاب غيره من المزارعين، الذين يتمنون من الجهات الرسمية والأهلية المختصة بالقطاع الزراعي، دعمهم وتأهيل البنية التحتية القريبة من السياج الأمني، من أجل إعادة إحيائها من جديد بعد سنوات من الإهمال تحولت خلالها إلى "صحراء قاحلة".

ويقول المزارع محمود قديح، للجزيرة نت، "لو توفرت المياه والكهرباء في المنطقة، لتشجع المزارعون وعادوا إلى أراضيهم من أجل زراعتها والاستفادة منها".

وأضاف قديح، الذي يمتلك ستة دونمات وبئر مياه تبعد حوالي ستمئة متر عن السياج الأمني الإسرائيلي، المطلوب من وزارة الزراعة والمؤسسات الزراعية الدولية والمحلية مزيدا من الاهتمام، وتوفير برك مياه، ووحدات طاقة بديلة في ظل أزمة انقطاع الكهرباء، وبعدها ستتحول هذه الأراضي القاحلة إلى جنة خضراء.

ولا تتوفر المياه والكهرباء في نطاق حوالي ثمانمئة متر بمحاذاة السياج الأمني الممتد على مسافة حوالي أربعين كيلو مترا، فيما تمنع قوات الاحتلال المزارعين من الاقتراب من المنطقة الأمنية العازلة بعمق ثلاثمئة متر من السياج، وتشكّل حوالي ثلث المساحة الزراعية في قطاع غزة.

وقال قديح إن المنطقة العازلة تبتلع حوالي 2600 دونم زراعي من أراضي بلدة خزاعة وحدها، بينما الأراضي المزروعة في هذه البلدة التي يعمل غالبية سكانها في الزراعة، لا تتعدى نحو ألف دونم فقط.

قديح: المزارعون بحاجة لدعم لتحويل الأراضي الحدودية إلى جنة (الجزيرة)

صمود
ويعتقد مدير جمعية الإغاثة الزراعية تيسير محيسن أن تجربة المزارع سمور فريدة من نوعها، ويجب دعم وتشجيع المزارعين من أجل عودة جماعية إلى الأراضي الزراعية الحدودية، التي كانت في الماضي بمثابة "السلة الغذائية" لقطاع غزة.

وقال محيسن -للجزيرة نت- إن الأراضي الزراعية المحاذية للحدود الشرقية والشمالية للقطاع، كانت حتى اندلاع انتفاضة الأقصى في سبتمبر/أيلول عام 2000 تكسوها الأشجار المثمرة، خصوصا الزيتون، والمحاصيل الزراعية المتنوعة، لكنها تحولت إلى أرض جرداء، بفعل عمليات التوغل والتجريف الإسرائيلية الممنهجة.

ورأى ضرورة اعتبار هذه الأراضي بمثابة "مناطق كوارث"، وتخصيص موازنة خاصة لإعادة تأهيل البنية والمنشآت الزراعية، بهدف دعم صمود المزارعين، وتشجيعهم على استئناف الزراعة وإحياء أراضيهم من جديد، حيث إن تعمير هذه المناطق يقطع الطريق على مزيد من الإجراءات الاحتلالية.

ولا يستبعد محيسن إقدام قوات الاحتلال على التخريب والتدمير، لمنع أي محاولة لعودة الحياة الزراعية لهذه المناطق، ما يتطلب توجيه أنظار العالم لقضية المزارعين الفلسطينيين، الذين تكبدوا خسائر فادحة على مدار السنوات الماضية، وتشجيع النشطاء الدوليين على زيارة هذه المناطق وتشكيل درع حماية للمزارعين خلال عملهم اليومي، وإطلاق حملات ضغط دولية على إسرائيل.

المصدر : الجزيرة