إضراب القضاة في الجزائر.. حرب على الفساد أم تسييس للعدالة؟

تصاعد الاحتجاجات في سلك القضاء قد يعطل مسار الانتخابات الرئاسية حسب مراقبين (الجزيرة)
تصاعد الاحتجاجات في سلك القضاء قد يعطل مسار الانتخابات الرئاسية حسب مراقبين (الجزيرة)

عبد الحكيم حذاقة-لجزائر

لأول مرّة في تاريخ الجزائر المستقلة، استيقظ المواطنون على محاكم ومجالس قضائية مشلولة كليا على خلفية قرار مفاجئ من نقابة القضاة بتوقيف العمل، احتجاجا على حركة تحويلات مسّت قرابة ثلاثة آلاف قاض قبل ثلاثة أيام، وصفتها وزارة العدل بأنها تندرج ضمن محاربة الفساد.

وطالبت النقابة بتجميد هذه الحركة السنوية، معتبرة أن 24 أكتوبر/تشرين الأول الجاري "يوم أسود في تاريخ القضاء، يكرس هيمنة الجهاز التنفيذي على دواليب السلطة في الجزائر".

وقاطع اليوم القضاة جميع الجلسات، حيث تأجلت القضايا المطروحة أمام المحاكم والمجالس والمحكمة العليا ومجلس الدولة، بما فيها الموجودة في المداولة، باستثناء الملفات الاستعجالية.

كما امتنع القضاة عن التوقيع على شهادات الجنسية وصحيفة السوابق العدلية ومختلف الأوامر الأخرى، إلى غاية تلبية مطالبها الاجتماعية والمهنية. وأعلنت النقابة أن نسبة الاستجابة للمقاطعة في يومها الأول قد بلغت 96%.

غير أن وزارة العدل اعتبرت الإضراب غير قانوني، وقالت في بيان لها إن القانون الأساسي يمنع القاضي من القيام بأي عمل من شأنه وقف أو عرقلة العمل القضائي.

وعقّب قاض -رفض ذكر اسمه- بالقول إن "رفع هذا الحظر التعسفي من صميم طلبات النقابة، لأن الغرض منه إسكات حامي الحقوق والحريات".

ويربط الكثير من المراقبين ورواد مواقع التواصل فصول المواجهة بين القضاة والوزارة الوصية بالوضع السياسي القائم في البلاد والسياق الانتخابي المحتدم، مُبدين مخاوفهم من الزجّ بالعدالة في أتون الصراع السياسي على السلطة.

وزير العدل: الإضراب غير شرعي والقانون الأساسي يمنع توقيف العمل القضائي (مواقع تواصل)

 

شلل المحاكم
وفي جولة ميدانية إلى محاكم العاصمة، وقفت الجزيرة نت على الشلل الكامل للعمل القضائي، حيث ظلّ المتقاضون وذووهم رفقة المحامين واقفين في شكل مجموعات يترقبون لحظة الانفراج دون جدوى.

وفي مقابلة مع السيدة "أم أحمد" ببهو محكمة عبان رمضان، أبدت غضبها الشديد من حركة الإضراب، وتحدثت بحرقة وشوق عن ابنها الموقوف منذ ستة أشهر دون محاكمة، بعدما علقت الأمل على إطلاق سراحه هذه المرّة.

من جهته، أدان الطالب الجامعي "فيصل.م" عدم توقيع شهادة الجنسية لصالحه، مما يعني تأخر استصدار جواز سفره، ومن ثمّ تفويت فرصة منحة دراسية في الخارج.

وفي مجلس قضاء بومرداس (50 كلم شرق العاصمة)، أعرب الشاب البطال "أمقران" عن انزعاجه الشديد من الاحتجاج، وأبلغنا أن شهادة سوابقه القضائية عالقة، وهو ما قد يحرمه من مسابقة التوظيف العمومي.

 الإضراب شل عمل المحاكم (الجزيرة)

 

تأييد وتشكيك
وصنع إضراب القضاة ردود أفعال واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث كتب رمضان بوقفة عن الحدث أنه "يوم تاريخي وفاصل في مسار السلطة القضائية، وهو نقطة تحول نحو استقلالية القضاء بعد شعور القاضي بأنه يحتمي بنقابة بدل السلطة التنفيذية".

وتابع "لقد زال عنصر الخوف والشعور بالوصاية على القضاء.. إنها خطوة نحو تحقيق أهم ركائز الدولة الحديثة".

غير أن الناشط عبد الوهاب جعيجع شكّك في دوافع الاحتجاج، وتساءل على صفحته بفيسبوك "هل يمكن للقضاة أن تكون لهم كل هذه الثوريّة على مجرد تحويلات عادية تُطبق على جميع موظفي الدولة؟!".

وأضاف "هم الذين لم يرفضوا أو يستنكروا شيئا، لا اجتماعيا ولا سياسيا ولا مهنيا، لا في تسعينيات الانقلاب والاستبداد، ولا في عهد الفساد البوتفليقي، بل ظلوا الأداة المطواعة المسلطة على كل حر رافض أو ثائر".

ظلال سياسية
وفي قراءة لخلفيات إضراب القضاة، أكد المحامي والمحلل فاتح قرد أنه "لا يمكن فصل الحركة الاحتجاجية عما تشهده البلاد من حراك شعبي زعزع التوازن الهش بين مكونات السلطة والقوى الفاعلة في منظومة الحكم، وبذلك أعطى الفرصة لقطاعات مهنية حساسة للثورة على الضغط الذي تعرضت له خلال عقود من حكم بوتفليقة، ومنها القضاء".

وأوضح فاتح في حديثه للجزيرة نت أن "القضاة رفعوا مطالب اجتماعية يشترك فيها سائر موظفي الدولة، وأخرى مهنيّة تتهم وزارة العدل برسم ملامح حركة نقل القضاة، واقتصار دور المجلس الأعلى على الإجراءات الشكلية".

وأردف أن تلك "المطالب تخفي وراءها حالة من الاحتجاج السياسي والرفض لتدخل السلطة التنفيذية في عمل القضاة، وهو ما يبرزه شعار عدالة الهاتف الذي يردده القضاة في فعاليات الاحتجاج".

واعتبر المحلل فاتح ذلك مؤشرًا على إرادة قوية للتحرر وإعطاء العدالة استقلاليتها التي يضمنها الدستور والقوانين.

إحدى المحاكم الجزائرية (الجزيرة)

مطلب الاستقلالية
بدوره، يرى المحامي والناشط عبد الغاني بادي أن القضاة متمسكون بمطلب الاستقلالية والتعامل معهم باحترام.

وشدّد بادي في حديثه للجزيرة نت على أن المسائل الحقوقية ترتبط دائما بوضع سياسي وتلقي بظلالها عليه، وأن تعدد جبهات الاحتجاجات -حتى وإن كانت بطابع غير سياسي- سيكون له تأثيرات على المشهد.

وعن مصير الانتخابات الرئاسية في ظل الاحتجاجات المتصاعدة لسلك العدالة، قال بادي إن المسألة مرتبطة بمدى ارتفاع وتيرة الغضب في قطاع القضاء وقطاعات أخرى.

وتوقع أن "استمرار الانسداد بين نقابة القضاة والوزارة وخروج المحامين إذا ما تكرر فقد يدفع السلطة إلى إعادة النظر في خريطة الطريق المفروضة، لأنها صارت تقترب من طريق مسدود".

ومبدئيا، استبعد مصدر قضائي خاص أن ينخرط زملاؤه في مقاطعة الموعد الرئاسي، إلا إذا قررت النقابة ذلك وفق تطورات خطيرة، على حد تعبيره.

المصدر : الجزيرة