مدينة الصدر.. الثائرة على مر الأزمان

شباب مدينة الصدر في طليعة المشاركين في المظاهرات الأخيرة (رويترز)
شباب مدينة الصدر في طليعة المشاركين في المظاهرات الأخيرة (رويترز)

الجزيرة نت-بغداد

مدينة الصدر، أو مدينة الفقراء أو البسطاء كما يسميها العراقيون، يقطنها مئات الآلاف من سكان العاصمة بغداد، واستخدم أبناؤها وقودا لجميع الحروب التي خاضها العراق، بالإضافة إلى الصراعات بين الأحزاب السياسية والسلطة، ومواجهة الغزو الأميركي عام 2003 وما بعده.

تغيرت تسمياتها مع تغير الأنظمة السياسية، وأسسها رئيس وزراء العراق عبد الكريم قاسم بعد انقلاب 14 يوليو/تموز 1958، الذي أطاح بالعهد الملكي، وسماها مدينة الثورة، ولكن بعد الانقلاب على قاسم من قبل الأخوين عبد السلام وعبد الرحمن عارف أطلق عليها اسم حي الرافدين، ثم أعاد الرئيس العراقي آنذاك صدام حسين اسمها الأول إليها، ومن ثم قام بتغييرها ليقرنها باسمه مطلقا عليها "مدينة صدام"، وبعد عام 2003 اعتمد اسم مدينة الصدر تيمنا بوالد زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، وهو المرجع الديني الشيعي محمد محمد صادق الصدر الذي اغتيل عام 1999.

مئات الآلاف من السكان يقطنون مدينة الصدر (الجزيرة)

 

إنشاء المدينة
واجهت حكومة قاسم مشكلة قد تطيح بتوجهاتها الإصلاحية، وهي النزوح الكبير لأهالي الأرياف والقرى من المحافظات الجنوبية، الذين استوطنوا شرقي بغداد، لذلك كلف المهندس المعماري اليوناني الشهير كونستانتينوس أبوستولو دوكسياديس بإنشاء مدينة تأوي هؤلاء السكان، وقسمها إلى 79 قطاعا، يضم كل منها ألف بيت تبلغ مساحته 144 مترا، وتضاعف عدد البيوت ليصل إلى تسعين ألفا نتيجة أزمة السكن الخانقة التي يعيشها العراق، مما تسبب في انشطار المنازل إلى اثنين أو ثلاثة، أو بناء منازل جديدة على الأراضي التابعة للدولة.

 

معظم سكان مدينة الصدر من العاملين في الأعمال الحرة أو دوائر الحكومة، ونسبة كبيرة منهم لم تتح لهم الفرصة للحصول على تعليم عال نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة التي عاشوها، وتحديدا أيام الحصار الذي فُرض على العراق في تسعينيات القرن الماضي، وهي منجم للكثير من النجوم الرياضيين والشعراء والمثقفين.

 

السواد الأعظم في هذه المدينة ذات الأغلبية الشيعية لم يتخل عنها، والعنف سمة بارزة فيها منذ تأسيسها، وأغلب سكانها كانوا من اليساريين والشيوعيين الذين تصارعوا مع النظام السياسي القائم آنذاك، وفي ثمانينيات القرن الماضي جندوا في الجيش العراقي للمشاركة في الحرب العراقية الإيرانية، وبعدها في غزو الكويت، وخلال فترة التسعينيات طغى عليها الطابع الديني، وتحديدا إبان ما تعرف بالحملة الايمانية التي أطلقها صدام حسين، فانبرى لقيادتهم المرجع الشيعي محمد محمد صادق الصدر، الذي دخل في صراع مع السلطة حينها، التي زجت بالكثير من اتباعه في السجون، ونفذت فيهم حكم الإعدام.

عاطلون عن العمل
بعد عام 2003، تحولت مدينة الصدر إلى معقل لمليشيا جيش المهدي، الذي أنشأه زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، ودخل حينها في صراعين في آن واحد مع قوات الغزو الأميركي والحرب الطائفية التي اندلعت في العراق بعد تفجير ضريح الإمامين علي الهادي والحسن العسكري في سامراء في فبراير/شباط 2006. لكن الواقع في المدينة تغير بعد عام 2009 بعد تجميد جيش المهدي بقرار من قبل مقتدى الصدر بعد خطة فرض القانون التي نفذتها حكومة رئيس الوزراء آنذاك نوري المالكي في بغداد والبصرة.

يعيش مئات الآلاف من الأشخاص في مدينة الصدر (لا توجد إحصائية دقيقة عن عدد سكانها لكن بعض المراقبين يتحدثون عن أكثر من مليوني شخص)، وأغلب شبابها عاطلون عن العمل، مثل باقي المناطق الأخرى، لذلك تحولت إلى حاضنة للمليشيات الشيعية التي شكلت العمود الفقري لقوات الحشد الشعبي خلال الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية إبان سيطرته على أجزاء كبيرة من الأجزاء الشمالية والغربية من البلاد.

الباحث عبد الكريم اللامي اعتبر أن الحاجة الماسة للفقراء هي ما تدفعهم للثورة في وجه الظلم (الجزيرة)

اغتيالات وتفجيرات
عندما يتجول كل شخص في هذه المدينة يرى مدى الحزن الكبير فيها، فإعلانات نعي شبابها تملأ طرقها بالاغتيال أو التفجيرات أو الاختطاف وغيرها، فهي أكثر المدن العراقية التي استهدفتها السيارات المفخخة، واختطف الآلاف من أطفالها ورجالها ونسائها، ولم يفارقها الحزن الآن؛ فالعشرات من شبابها استقبلوا برؤوسهم وصدورهم الرصاص الحي للقناصة خلال المظاهرات الأخيرة.

يتودد السياسيون لهذه المدينة قبيل الانتخابات النيابية والمحلية لكسب أصواتها، فهي متنوعة الولاء رغم أن أغلبيتها شيعية، فمن يكسب هذه المدينة في الصراع الانتخابي فإنه سيحصل على ما بين 30 و35 مقعدا في الانتخابات.

الجيل الجديد في مدينة الصدر كسر التابوهات التي وضعتها الأجيال السابقة، ولم يؤمن بالرموز أو الأسماء غير المسموح بانتقادها، فالشباب الذي نشأ بعد عام 2000 أصبح يقود هذه المدينة الآن، من خلال المشاركة في المظاهرات المطالبة بالإصلاح وتوفير الوظائف ومحاربة الفساد، وهؤلاء الشباب هم الآن أبرز رموز الحركة الاحتجاجية الحالية.

وتعليقا على ذلك، يقول الباحث الاجتماعي عبد الكريم اللامي إن الفقراء هم أول الثائرين في وجه الأنظمة لأنهم أكثر المتضررين من سياساتها، مشيرا إلى أن مدينة الصدر أو مدينة الفقراء غير مستقرة منذ زمن نظام الرئيس الراحل صدام حسين وحتى الآن، نتيجة الظلم الكبير الذي يتعرض له سكانها من قبل الحكومات المتعاقبة.

وأضاف أن الفقر في مدينة الصدر يعرفه القاصي والداني، وعندما تتجول فيها تشاهده بأم عينك، لذلك تستغل الأحزاب أبناء هذه المدينة خلال أوقات الانتخابات من خلال الوعود الكاذبة التي تتبخر بعد وصولهم إلى مقعد البرلمان، وتتبخر معها أحلام الفقراء.

وأكد أن هناك مناطق في مدينة الصدر غير صالحة للعيش نهائيا، لأن الخدمات غائبة عنها بشكل كلي، وكذلك المستوى التعليمي في هذه المدينة متدنٍ، معتبرا أن الحاجة الماسة للفقراء هي التي تدفعهم ليصبحوا ثائرين في وجه الظلم، لذلك كانت مدينة الصدر -وما زالت- أول المدن الثائرة في وجه السلطة ببغداد على مدار العقود الماضية.

وأشار إلى أن أهالي مدينة الصدر سيحاولون إسقاط هذه الحكومة، لأن جراح أبنائهم لم تشف بعد، كما أن سكانها طابعهم عشائري وينحدرون من قبائل كبيرة ولا يمكنهم تحمل الظلم بشكل دائم.

المصدر : الجزيرة