بعد عقود من إعدام صاحبه.. الفكر الجمهوري يعود للواجهة بالسودان

زائر في جناح الجمهوريين بمعرض الخرطوم الدولي للكتاب (الجزيرة نت)
زائر في جناح الجمهوريين بمعرض الخرطوم الدولي للكتاب (الجزيرة نت)

أحمد فضل-الخرطوم

بعد أكثر من ثلاثة عقود على إعدام زعيم الجمهوريين محمود محمد طه، عاد الفكر إلى الواجهة بالسودان بعد انتصار الثورة يوم 11 أبريل/نيسان الماضي، حيث شكل معرض الخرطوم الدولي للكتاب فرصة سانحة لعرض كتبهم في العلن لأول مرة.

ومنذ أن نفذ حكم الإعدام شنقا على الأستاذ محمود محمد طه صباح الجمعة 18 يناير/كانون الثاني 1985 بعد إدانته بالردة، تعرض تلامذته للحظر والتضييق، فآثروا الهجرة أو الانزواء.

لكن الجمهوريين يعودون بعد الثورة إلى محطة ما قبل إعدام "الأستاذ"، مثيرين للجدل في الساحة الفكرية والسياسية بالسودان. 

وانطلق الحزب الجمهوري بوصفه حركة دينية تجديدية من رفاعة في ولاية الجزيرة وسط السودان في بداية خمسينيات القرن الماضي بقيادة محمود محمد طه.

النور حمد أرجع إعدام محمود محمد طه إلى التنافس السياسي (الجزيرة نت)

أصل الفكر
وأثارت أفكار محمود طه الجدل، ويعتبرها الجمهوريون رؤية مختلفة تماما للدين الإسلامي، في حين اعتبر آخرون أنها تشويه متعمد للإسلام، ومحاولة للتغيير فيه وفقا لآراء طه ومعتقداته الشخصية.

والملمح الرئيسي لـ"الفكرة الجمهورية" عند محمود محمد طه هو "فصله بين القرآن المكي الذي يعتبره أصل الإسلام، والقرآن المدني الذي يعتبره فروعا".

ويؤمن طه بأن الأصل هو الإسلام المكي الذي تضمن أحكاما عامة وهو الرسالة الأولى للإسلام، في حين أن "الإسلام المدني هو فرع في الدين نزل على الرسول ليحكم من خلاله في الزمن الذي كان يعيش فيه، وانتهى هذا الإسلام بانتهاء عصر الرسول وانتهت معه آيات الجهاد والسبي والميراث والتمييز بين الرجل والمرأة والحدود"، ولذلك فهو يدعو إلى "رسالة ثانية للإسلام" وضمّن هذا أحد مؤلفاته.

ووضعت سلطة الجنرال جعفر نميري حدا للحركة عندما أدانت محكمة صاحبها بتهمة الردة عن الإسلام وحكمت عليه بالإعدام، ونقلت مروحية جثمانه ليدفن بعيدا في الصحراء، وحتى الآن لا يعرف أحد أين قبر "الأستاذ"، كما يلقبه مريدوه.

تنافس سياسي
ويرجح الباحث والأكاديمي النور حمد فرضية "التخلص من طه" إلى التنافس بين خصوم سياسيين، إذ إن "الفكر الجمهوري هو المنافس الحقيقي لتنظيم الإخوان المسلمين بقيادة حسن الترابي".

واتهم علماء أفكار محمود محمد طه بالردة وأدين أمام المحاكم مرتين في 1968 و1985 ليتم إعدامه في أواخر عهد الرئيس نميري.

وأدان حسن المهلاوي قاضي محكمة الطوارئ طه تحت المادة 96 من قانون العقوبات لسنة 1983 "تقويض الدستور وإثارة الحرب ضد الدولة"، وهي مادة عقوبتها الإعدام أو السجن المؤبد أو السجن.

وأيد المكاشفي طه قاضي محكمة الاستئناف حكم محكمة الموضوع، وأورد أن طه وأربعة من تلامذته يدّعون "فهما جديدا للإسلام"، ومنحتهم المحكمة حق الاستتابة، وهو ما رفضه زعيم الجمهوريين.

جناح كتب الجمهوريين بمعرض الخرطوم للكتاب وجد إقبالا كبيرا (الجزيرة نت)

مفاجأة الجمهوريين
والمفاجأة أنه بعد الحظر الذي مارسه نظام الرئيس المعزول عمر البشير على منشورات وكتب محمود محمد طه، ها هي ذات الأدبيات تشكّل محور الاهتمام في معرض الخرطوم الدولي للكتاب الذي انطلقت دورته الـ15 الخميس الماضي.

وتقول مسؤولة جناح الجمهوريين آمنة الكمداني إن هناك إقبالا ونهما مبالغا فيه على مؤلفات محمود محمد طه.

وتضيف للجزيرة نت إن الجناح يحقق مبيعات كبيرة للغاية تصل إلى نحو 400 كتاب يوميا منذ انطلاق المعرض مما حدا بهم إلى طلب طباعة المزيد من الكتب، موضحة أن أكثر الكتب مبيعا "الرسالة الثانية" و"الإسلام برسالته الأولى لا يصلح لإنسانية القرن العشرين".

وبحسب آمنة فإن كتب الجمهوريين سبق أن منعت بإغلاق مركز الأستاذ محمود محمد طه عام 2012 وبعدها لجأ الجمهوريون إلى معرض "مفروش" وسط الخرطوم، لكن الأمن منع كتبهم أيضا وصادرها. وتقول "الآن عانقنا الحرية كما لم يعانقها أحد".

اعتراض ديني
وكان لافتا بيان لمجمع الفقه الإسلامي أفتى فيه الأمين العام للمجلس بعدم نشر وتوزيع كتب محمود محمد طه، مستندا على حكم القضاء عليه بالردة.

ويبدي الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي بالسودان إبراهيم أحمد الشيخ الضرير استغرابه من تمكين الجمهوريين من "مواقع خطيرة" بدلا من ترشيح أناس مقبولين، في إشارة إلى تعيين عدد من الجمهوريين وزراء في الحكومة الجديدة.

ويقول الضرير للجزيرة نت إن أي كتاب حوله جدل أو يحتوي على منهجية مخالفة للدين يجب أن لا يعرض ولا ينشر، وزاد "لا أدري من وراء ذلك؟ هل ذلك هو معنى الحرية؟".

ويحدد الضرير مهمة مجمع الفقه في تقديم رأي استشاري للدولة، وهو ما حدث بخصوص عرض كتب محمود محمد طه في معرض الكتاب، لكن لم يؤخذ بفتوى المجمع رغم أن تلك الجهة هي التي طلبت رأيه.

ويعزو الإقبال على مؤلفات الفكر الجمهوري رغم فتاوى مجامع إسلامية بخروجه عن الإسلام إلى ما أسماه الفضول جراء الجدل حول الفكرة وغياب الجمهوريين لفترة طويلة.

ويحذر الضرير الجهات المسؤولة من وقوع الشعب والجيل الحالي في براثن الفكر الجمهوري وبالتالي خروجه عن الدين.

وقادت جماعات سلفية حملة من منابر المساجد ضد وزيرة الشباب والرياضة ولاء البوشي، وهي من أسرة جمهورية مشهورة، بسبب الاحتفاء بانطلاق أول دوري لأندية كرة القدم النسوية، ووصفها الشيخ عبد الحي يوسف بأنها تتبع "رجلا مقبورا مرتدا ولا يؤمن بما نؤمن به".

كما ضجت منصات التواصل الاجتماعي بعد تعيين رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك عمر القراي، وهو من قيادات الجمهوريين، مديرا للمركز القومي للمناهج والبحث التربوي.

رب ضارة نافعة
ويرجع النور حمد الإقبال على التعرف على الفكر الجمهوري للحملة الشعواء التي قادها مشايخ الدين ضد الفكرة.

ويقول حمد، وهو من الجمهوريين المقيمين بالخارج، للجزيرة نت "الحملة الإعلامية ومنابر الجمعة والحظر لفترات طويلة وإعدام الأستاذ كلها مجتمعة أدت لإقبال منقطع النظير على الفكر الجمهوري".

ويشير إلى أنه نتيجة لانتشار الوعي هناك الآن عشرات الأقلام تدافع عن الجمهوريين رغم أن علماء الدين ظلوا لثلاثين سنة لا يمثلون روح وثورية الإسلام.

 نصر الدين مفرح: موضوع الحزب الجمهوري سياسي وليس دينيا (الجزيرة نت)

ويتابع "المجال العام حاليا مفتوح لأي فكر، والمسلم والمسيحي واللاديني من حقه أن يطرح أفكارا. هذه مبادئ الديمقراطية".

ويرى وزير الشؤون الدينية والأوقاف نصر الدين مفرح أن موضوع الحزب الجمهوري سياسي وليس دينيا، وبعد الثورة لا يوجد حجر على أحد في ماذا يكتب أو يقول أو يفعل طالما لا يخالف قوانين ونظم ولوائح الدولة.

ويقول مفرح للجزيرة نت "الأفكار تقارع بالحجة وليس بالمنع والحظر، وأي حزب أو جهة يخشى المقارعة فهو ضعيف".

واستقبلت الخرطوم بعد الثورة قادة للحركة الجمهورية آثروا الهجرة منذ العام 1989 مثل النور حمد وعمر القراي، وكان آخر العائدين أحمد المصطفى دالي مساء الجمعة الماضي. وينفي القراي أن تكون العودة ذات ملمح تنظيمي.

المصدر : الجزيرة