من أمر بقتل خاشقجي؟ آخر الأسئلة في القضية

سؤال أين جثة خاشقجي؟ ما زال معلقا ويحتاج إلى إجابة (غيتي)
سؤال أين جثة خاشقجي؟ ما زال معلقا ويحتاج إلى إجابة (غيتي)

عبد الله العمادي

لا تكمموا فمي، أنا مصاب بالربو، لا تفعلوا، ستخنقونني.. تلك كانت الكلمات الأخيرة للكاتب الصحفي السعودي جمال خاشقجي في إحدى ساعات نهار الثاني من أكتوبر/تشرين الأول العام الماضي.
 
قتل خنقا ثم قطعت جثته على شاكلة أفلام الرعب الهوليودية، في جريمة هزت الوجدان العالمي ودفعت كثيرين، من دول ومؤسسات ومنظمات قانونية وإنسانية وأفراد على اختلاف جنسياتهم وأعراقهم، لمنع طي ملفات الجريمة ودخولها عالم النسيان.
 
ربما ظن جمال للوهلة الأولى أنه بتلك الكلمات سيخلق حالة من الشفقة والعطف عليه لدى من كانوا حوله من "رسميين" تدفعهم لعدم التمادي في فعلتهم، وبالتالي يمكن الدخول معهم في حوار وتفاهم بالحسنى، كما كانت عادته ودعوته في كثير من الأحيان للحوار كأداة مثلى ناجعة لفك الكثير من العقد في الأزمات والمشكلات السياسية بين الدول أو سوء التفاهم بين أي نظام وأفراد الشعب.

الاحتمال الأكبر أنه لم يدر بخلده أن من أحاطوا به داخل قنصلية بلاده -بعد أن نصحه غيورون من أصحابه قبل أيام من الحادثة بعدم الذهاب إليها- أنهم طاروا وجاؤوا من الرياض إلى إسطنبول على طائرات خاصة في اليوم نفسه لتصفيته، بل من المؤكد أنه لم يتصور أن يفعلوا ذلك باعتبار وجودهم في موقع دبلوماسي يفترض فيه الالتزام بالمواثيق والقوانين الدولية، وأنهم إلى التفاهم والتفاوض أقرب من التعنيف أو التصفية، لكن حسن ظنه ذاك لم يكن في محله ساعتئذ، وحدث ما حدث.

أسئلة حائرة
أين جثة خاشقجي؟ من وقّع مذكرة إعدام هذا الصحفي السعودي؟ ومن الذي أرسل القتلة الـ15 على متن الطائرتين إلى إسطنبول؟

تلكم أسئلة ثلاثة أعادها إلى الواجهة مرة أخرى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في مقال له بصحيفة واشنطن بوست، حيث أشار إلى أن استمرار بلاده في متابعة القضية ليس بقصد الإساءة إلى الدولة السعودية كدولة ولا إلى ملكها، بل لعدم طي ملف القضية وإفلات المجرمين من العقاب.

وأضاف أن "من مصلحتنا ومصلحة الإنسانية أن نضمن عدم ارتكاب مثل هذه الجريمة في أي مكان مرة أخرى"، مشيرا إلى أن أفضل طريقة لعدم تكرار جرائم مشابهة هي عبر مكافحة كل ما يمكن أن يؤدي إلى الإفلات من العقاب.

أصدقاء لخاشقجي نصحوه بعدم الذهاب للقنصلية السعودية في إسطنبول (الجزيرة)

وبمتابعة التسلسل الزمني للجريمة منذ أن وقعت في مثل هذا اليوم من العام الماضي، يُلاحظ الانهيار السريع للرواية الرسمية السعودية منذ الأيام الأولى، والتي بدأت بالإنكار ثم بعد مرور 17 يوما على الجريمة تبدأ حلقات الاعتراف الرسمي التدريجي بحدوثها داخل القنصلية، لكن مع رفض لبعض تفاصيلها، وصولا إلى اعتراف رسمي آخر -وليس أخير- بوقوعها واعتبارها من الأخطاء الجسيمة.

وبعد أشهر عدة من الضغط السياسي والإعلامي الدولي، جاء اعتراف رسمي من ثاني أعلى شخصية في هرم السلطة بالمملكة هو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في مقابلته الأخيرة مع مارتن سميث مراسل برنامج "فرونتلاين" الذي بثته شبكة "بي بي أس" (PBS) الأميركية بمناسبة الذكرى الأولى لمقتل خاشقجي، حيث قال إن الجريمة حدثت تحت حكمه وإنه بذلك يتحمل المسؤولية، لكنه أكد أن الجريمة حدثت دون علم منه!

اعتراف بن سلمان بوقوع الجريمة، الذي رآه مؤيدون له شجاعة، هو ربما الشيء الذي كان العالم ينتظر سماعه منه شخصيا لكي يتم تثبيت التهمة على أنها جريمة برعاية دولة، وتضيق بالتالي حلقات القضية أكثر فأكثر وتسهل إجراءات إظهار كل من كان له يد ودور في تلك الجريمة، تفكيرا وتخطيطا وتنفيذا، وليجدد الأمل باعترافه ذاك -بحسب مراقبين- في إمكانية فتح ملفات معارضين آخرين لا يُعرف لهم وجود إلى اليوم، وأن ما جرى بالقنصلية من أحداث ربما كانت إحدى الوسائل المتبعة عند النظام لتصفية معارضيه وخصومه في أوقات ماضية.

محمد بن سلمان اعترف لقناة "بي بي أس" الأميركية بأنه يتحمل مسؤولية الجريمة كونها وقعت تحت سلطته (سي بي أس)

ماذا بعد الاعتراف؟
هذا الاعتراف لم ولن ينهي القضية بالسهولة التي ربما صورها المستشارون لولي العهد، لأن اعترافه ذاك أثار الموضوع من جديد وبزخم أقوى. فقد اعتبرت المقررة الأممية أنييس كالامار، المعنية بملف الإعدامات خارج نطاق القانون، في تغريدات عدة على تويتر أن إعلانه تحمل المسؤولية عن عملية قتل خاشقجي بمثابة "اعتراف ضمني بأن جريمة القتل جاءت تحت مسؤولية الدولة السعودية. ولقد حدث ذلك في عهده كقائد تقريبا للدولة، ومن ثم فإن الدولة متورطة". 

وتابعت كالامار أنه "يجب أن يكون هناك اعتراف رسمي واعتذار وضمان عدم تكرار ذلك. هذا ما يفعله قائد الدولة المسؤول، لكن لم يحدث شيء من هذا القبيل حتى الآن، بل العكس تماما".

يرى متابعون للقضية أهمية استمرار الضغوط الدولية، وأن هذا الاستمرار مع تنوع أشكال الضغوط يمكن أن يؤدي إلى نتائج أخرى مرغوبة، منها التوصل إلى مكان الجثة وكيف تم التصرف بها بعد الإعدام، والتوصل كذلك إلى النقطة الأخيرة الحاسمة في القضية وهي معرفة الآمر رقم واحد بارتكاب الجريمة، ومن ثم كيفية تطبيق العدالة عليهم.

ومن المرجح، بحسب متابعين للشأن السعودي، استمرار الضغوط الدولية المختلفة على المملكة من باب "كِثْر الدق يفك اللحام" كما تقول العامة في الخليج.

المصدر : الجزيرة