قوات الدفاع الشعبي قنبلة موقوتة تهدد الحكومة الجديدة بالسودان

قوات من الدفاع الشعبي تقطع الطريق القومي بين كردفان والعاصمة الخرطوم الاثنين الماضي (الجزيرة نت)
قوات من الدفاع الشعبي تقطع الطريق القومي بين كردفان والعاصمة الخرطوم الاثنين الماضي (الجزيرة نت)

أحمد فضل-الخرطوم

اكتفى محتجون من قوات الدفاع الشعبي بولاية غرب كردفان في أول احتجاج لهم بارتداء الزي العسكري فقط رغم امتلاكهم أسلحة غنموها من المعارك إبان الحرب الأهلية في جنوب السودان.
 
ووقتها كانت الحكومة المركزية في الخرطوم تجيز لمنسوبي الدفاع الشعبي من مقاتلي عرب قبيلتي المسيرية والرزيقات المتاخمين لجنوب السودان الاستحواذ على غنائم الأسلحة.
 
وأغلق "مجاهدون" من الدفاع الشعبي في ولاية غرب كردفان الطريق القومي الرابط مع العاصمة الخرطوم عند نقطة الفولة مركز الولاية هذا الأسبوع، مطالبين بتسوية أوضاعهم.
 
وأسست قوات الدفاع الشعبي كقوة شعبية مسلحة موازية للجيش في نوفمبر/تشرين الثاني 1989 بعد خمسة أشهر من استيلاء حزب الجبهة الإسلامية بزعامة حسن الترابي على السلطة بالسودان عبر انقلاب قاده عمر البشير.

المتحدث باسم قوات الدفاع الشعبي بغرب كردفان: قواتنا تضم 100 ألف عسكري فاعل و85 ألفا في الاحتياط

عدد القوات
ولئن كانت لقوات الدفاع الشعبي صلات وثيقة بالنظام السابق لكنها تحولت إلى قوة احتياطية للجيش الحكومي.

وبحسب تقرير لقسم البحوث الفدرالية التابع لمكتبة الكونغرس صدر في 2004، فإن هذه القوات تتألف من 10 آلاف عسكري فاعل وأكثر من 85 ألفا في الاحتياط.

لكن عدد قوات الدفاع الشعبي أصبح أكثر بكثير بعد دمج أعداد كبيرة من المليشيات القبلية المتاخمة لجنوب السودان، خاصة من قبيلتي الرزيقات والمسيرية العربيتين.

ويقول محمد الخاتم عبد المنعم حميدان "أمير المجاهدين" والمتحدث باسم قوات الدفاع الشعبي في غرب كردفان إن عدد المجاهدين في ولايته وحدها يبلغ 104 آلاف مجاهد.

ويؤكد حميدان للجزيرة نت أن نحو ثمانية آلاف عنصر من هذه القوات قتلوا وتركوا وراءهم أيتاما وأرامل وأسرا تحتاج للرعاية، فضلا عن نحو 12 ألف مصاب، بينهم عدد كبير من ذوي الإعاقة الكلية، مما يضع تحديا أمام الحكومة الجديدة.

القبيلة والأيديولوجيا
ويحذر الأكاديمي والباحث عبد الرحمن الدقم بختان من النظر إلى قوات الدفاع الشعبي في قطاع بحر العرب من زاوية أيديولوجية واعتبارهم إسلاميين منتمين للنظام السابق.

ويقول بختان إن نواة القوات في هذا القطاع المتاخم لدولة جنوب السودان كانت بعد انهيار اتفاقية أديس أبابا عام 1972 بين حكومة الخرطوم ومتمردي "الأنانيا" بتشكيل قوات من قبائل التماس لحماية قطعان الماشية من سرقات المتمردين.

ويوضح أنه إبان الحكم الديمقراطي تعززت الحاجة لقوات القبائل لصد تمدد المتمردين الجنوبيين في حدود متسعة، وعندما جاء حكم البشير وجدها جاهزة وفضل احتواءها في الدفاع الشعبي لمساندة الجيش بدلا من أن تكون تابعة للأنصار حزب الأمة.

ويضيف أن من الخطأ تصنيف قوات الدفاع الشعبي في قطاع بحر العرب مليشيا إسلامية على غرار منسوبي الدفاع الشعبي من المؤسسات ذات الخلفية الأيديولوجية.

عرب المسيرية الرعاة في غرب كردفان (الجزيرة نت)

بداية الإهمال
ويقر الأكاديمي والباحث عبد الرحمن الدقم بختان بأنه بعد اتفاق نيفاشا 2005 لحق الإهمال بقوات الدفاع الشعبي فحمل بعضهم السلاح ضد الحكومة مثل "حركة شهامة".

ويقول بختان إنه عندما تشكلت قوات الدعم السريع واستوعبت منسوبي الدفاع الشعبي في قطاع دارفور طالبت القوات بقطاع بحر العرب في كردفان بإجراء مماثل، مشيرا إلى أن هناك الآن سخطا بعد مطالب حل الدفاع الشعبي في ظل الحكومة الجديدة.

وطالبت أحزاب داخل الحوار الوطني بحل الدفاع الشعبي، لكن حزب المؤتمر الوطني الحاكم حينها رفض هذه المطالب.

وفي أبريل/نيسان 2017 تلقى البرلمان مقترحا بتعديل قانون قوات الدفاع الشعبي لتحويل هذه القوات إلى مؤسسة مدنية.

ووفقا لرئيس تحرير مجلة "البادية" حبيب فضل المولى (من غرب كردفان)، فإن إغلاق الطريق القومي بالمنطقة كان رسالة أولى في بريد الحكومة الجديدة.

ويشير إلى أن الاحتجاج خلا من أي مظاهر تسلح رغم أن مقاتلي الدفاع الشعبي في المنطقة مسلحون بأسلحة خفيفة وثقيلة غنموها باتفاق مع الحكومة من المعارك ضد الحركة الشعبية إبان التمرد في جنوب السودان.

ملف قديم
وحاول تعميم للمتحدث باسم القوات المسلحة العميد عامر محمد الحسن حصر المشكلة في قوات مستنفرة هذا العام لحراسة الحدود، وأن ثمة لجنة تنظر في تجنيد الراغبين في الانضمام إلى الجيش وإنهاء استنفار غير الراغبين.

لكن المتحدث باسم قوات الدفاع الشعبي في غرب كردفان يقول إن عدد المستنفرين بالولاية من الجيش لا يتجاوز ألف فرد في الخطوط الأمامية مع جنوب السودان وعلى خط حدود أبيي المتنازع عليها بين الخرطوم وجوبا.

ويؤكد أن الملف قديم وبدأ بعد اتفاق نيفاشا عام 2005 بين الحكومة السودانية ومتمردي الحركة الشعبية لتحرير السودان.

ويضيف "حينها قدمنا مذكرة لوزير الدفاع ومدير الاستخبارات العسكرية صديق عامر ومدير جهاز الأمن صلاح قوش وحذرناهم من عدد كبير لمقاتلين بلا تعليم، واقترحنا لاحقا استيعاب 20 ألفا في قوات الدعم السريع وتوفير مشروعات إنتاجية وتوظيف البقية في شركات النفط وتسوية المستحقات المالية".

وينبه إلى أن غرب كردفان هي أول ولاية بدأ فيها الدفاع الشعبي استنفارات الجهاد للقتال في جنوب السودان، وكانت كل العمليات العسكرية والتدريب والزي والدعم اللوجستي بمعرفة الجيش.

تحذيرات مبطنة
ويشير المتحدث باسم قوات الدفاع الشعبي في غرب كردفان إلى مذكرة ثانية للحكومة الجديدة سلمها والي الولاية إلى عضوي مجلس السيادة شمس الدين كباشي وصديق تاور، قبل أن تسلم أيضا لقائد الدفاع الشعبي بقطاع غرب كردفان واستخبارات الفرقة العاشرة في بانوسة.

وحددت المذكرة الأخيرة الإشكالات والمطالب واقترحت الحلول بعد أن أوضحت أن قوات الدفاع شكلت بقانون وليست مليشيا، وأنها ظلت تجاهد من أجل من البلاد وليس من أجل حزب أو طائفة.

ويحذر المتحدث من مظاهر احتقان وسط "المجاهدين"، مما يتطلب النظر إلى خصوصية الولاية باعتبارها ولاية نفطية ومتاخمة لدولة جنوب السودان، وأن جزءا كبيرا من الولاية في لقاوة تحت وصاية متمردي الحركة الشعبية/قطاع الشمال.

وتابع "أخشى أن يتحول أصدقاء الأمس لأعداء اليوم، هم محاربون بطبيعتهم ظلوا رصيدا للحكومة، ومطالبهم يمكن تلبيتها، ربما تختلف الحكومة الحالية عن السابقة لكن يجب ألا تنكر الحقوق".

المصدر : الجزيرة