إضرابات التعليم في الجزائر.. مُربّون يشتكون وأولياء يشككون

المعلمون في الجزائر أضربوا مرتين بعد شهر واحد من انطلاق الموسم الدراسي (الجزيرة)
المعلمون في الجزائر أضربوا مرتين بعد شهر واحد من انطلاق الموسم الدراسي (الجزيرة)

عبد الحكيم حذاقة–الجزائر

يحظى قطاع التعليم العام في الجزائر بثاني أكبر ميزانية حكومية بعد وزارة الدفاع، حيث بلغت العام الجاري 709.558 مليارات دينار (ما يعادل 5.98 مليارات دولار)، وتتبنى الدولة دستوريا مبدئي مجانية التعليم وديمقراطيته.

ويشغل القطاع أزيد من 750 ألف موظف في جميع التخصصات، يتوزعون على 28 ألف مؤسسة، 70% منها ابتدائيات، للإشراف على تسعة ملايين ومئة ألف تلميذ.

ورغم الإنفاق الهائل، فإن القطاع ظل مضطربا بسبب المشاكل المتراكمة التي يشتكيها المعلمون، مما جعله مسرحا لإضرابات مزمنة أثقلت كاهل الطلاب وأوليائهم.

ودشن الموسم الجديد بتسجيل نقائص عديدة، أدت أحيانا إلى منع الأولياء أبناءهم من الالتحاق بالمدارس احتجاجا على انعدام تجهيزات ضرورية على غرار الكراسي والطاولات، وهو ما دفع بهم في إحدى مدارس ولاية المسيلة -مثلا- إلى افتراش الزرابي.

وتعاني الفصول الدراسية من ظاهرة الاكتظاظ، حيث وصل عدد التلاميذ في حالات بالعاصمة إلى 50 تلميذا في الفصل، فضلا عن نقص المؤطرين بسبب تراجع النفقات العمومية مع شح الموارد المالية للبلاد.

كما أدى انهيار جدار بمدرسة "علي زرماني" في ولاية سطيف إلى وفاة تلميذ وإصابة آخرين بجروح متفاوتة.

ويزيد الطابع الريفي من متاعب السلطات في التكفل بالنقل المدرسي والإطعام، علاوة على ارتفاع معدل النمو الديمغرافي الذي اشتكت منه الحكومة قبل سنتين في البرلمان.

وكما جرت العادة، بدأ المعلمون موسمهم الجديد بالاحتجاجات، حيث أضربوا مرتين في غضون عشرة أيام، الآخر جاء بدعوة "مجهولة" في صفحات فيسبوك، للمطالبة بتسوية الأوضاع المهنية والاجتماعية، وبلغت نسبة المشاركة 70%، حسب تقديرات غير رسمية.

خوف وغضب
وأثار الإضراب المفاجئ مخاوف الأولياء الذين يرفضون تحويل أبنائهم إلى أسرى ويتوجسون من علاقته بالسياق الانتخابي والسياسي العام.

وفي جولة قادت الجزيرة نت إلى ابتدائية 11 ديسمبر 1960 بولاية بومرداس (50 كلم شرق العاصمة)، صادفنا عشرات التلاميذ جالسين أمام المدرسة المغلقة، وبعضهم آثر اللعب والجري في المكان.

عمراوي: المعلمون مظلومون لكن المشاكل قديمة وتحقيقها الآن مستحيل (الجزيرة)

وتحدث إلينا يوغرطة. م، تلميذ في السنة الأولى، فقال "نحن تلاميذ جدد لم يتركوا لنا فرصة الفرح بالدراسة، سأطلب من أبي أن ينقلني إلى مدرسة خاصة مثل ابن جارنا".

وأبدت سارة. ب قلقها من تأثير الإضراب إذا تواصل على تحصيلها التعليمي، فهي مقبلة على امتحانات نهاية الطور الابتدائي.

أما العامل المياوم مصطفى.خ فقد وجدناه يصحب ابنه للعودة به إلى البيت، وصارحنا بأنه اضطر للغياب عن العمل حتى يرافق صغيره لأن زوجته موظفة، وإلا سيدفع مبلغا مقابل تركه في الحضانة.

وبدوره غضب الولي بشير من امتناع المعلمين عن التدريس، وقال إنهم لا يفكرون في مصلحة التلاميذ، وإن الإضرابات المتكررة تجبره على إدماج أبنائه الثلاثة في أقسام الدروس الخصوصية بتكلفة مالية مرهقة لميزانية الأسرة.

من جانبه، صرح رئيس فدرالية جمعية أولياء التلاميذ أحمد خالد للجزيرة نت بأن "الإضراب حق دستوري، لكن حق التلميذ يسبقه".

وطالب بأن "يوضع التعليم ضمن قطاعات السيادة مثل العدالة والخارجية والدفاع لمنع الإضراب".

دوافع سياسية
غير أن النقابي السابق مسعود عمراوي أكد أن "لا أحد ينكر الانشغالات القديمة والمتجددة للأسرة التربوية، لأن المعلمين خاصة في الطور الابتدائي مسّهم إجحاف كبير".

ولفت في تصريح للجزيرة نت إلى أن "هناك من يدعو على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء مستعارة إلى إضراب شامل بدوافع سياسية لاستغلال تذمر المربين، رغم أن تحقيق المطالب مستحيل من طرف حكومة تصريف الأعمال".

ويشاطره الرأي القيادي في المجلس الوطني المستقل لمستخدمي التدريس مسعود بوديبة إذ يرى أن المعلم الجزائري يعيش ظروفا صعبة، لكن "شرعية المطالب تحتاج إلى هيكلة حقيقية لأسلاك التدريس بكيفية تعالج كل المشاكل في إطار رؤية شاملة".

وشدد للجزيرة نت على أن "من حق المعلم أن يُضرب، لكن يجب أن يكون القدوة في احترام القانون ومثالا للتضحية من أجل المصلحة العامة، لأن الوضع في الجزائر يقتضي تأجيل المطالب الخاصة إلى ما بعد مرحلة حل الأزمة السياسية".

بوديبة: على المعلم أن يحترم القانون ويكون مثالا للتضحية (الجزيرة)

وأيدهما الباحث جمال ضو، وهو متابع لشؤون التربية، بالقول إن "دعوات الإضراب تطغى عليها نكهة سياسية، بل هي انعكاس للصراع السياسي بين السلطة وأطراف متعددة، منها نقابات من المنظومة السابقة أو كانت متعايشة معها".

وأضاف للجزيرة نت أنه "من غير المعقول رفع مطالب فئوية اليوم أمام وزارة تصريف أعمال في ظل أزمة سياسية معقدة.. الأمر ليس عاديا بل مرتبط بالصراع السياسي".

مجلس أعلى للتربية
وعن الإصلاح الجذري لأزمة التربية والتعليم في الجزائر، أكد ضو أنها معقدة ومتشعبة، والخروج منها يتطلب رؤية شاملة في ظل مشروع مجتمع محدد الأهداف والرؤية، بعيدا عن الحلول الترقيعية أو الاستجابة لمطالب آنية ومادية.

وأوضح أن المشروع يتجاوز فكرة وزير أو وزارة، بل يقتضي مجلسا أعلى للتربية والتعليم مهمته وضع إستراتيجية تربوية تعليمية هدفها الأول وقف النزيف البشري الحاصل في القطاع والتأسيس لمشروع إصلاحي نهضوي.

وأردف بأن الإصلاح الحقيقي يحتاج تضحيات من المجتمع ومن المعلمين أيضا لأنهم أصبحوا جزءا أصيلا من العقبات التي قد تواجه أي عملية إصلاح، ولا يمكن أن يتحقق هذا إلا بإدراك السلطة أن مقدرات البلاد يجب أن توجه بشكل أساسي إلى بناء الإنسان قبل كل شيء.

المصدر : الجزيرة