لوفيغارو: إسرائيل وإيران.. دوامة الاستعراض والردع الخطيرة

رجل يلوح بالعلم الإيراني في منطقة دير الزور السورية (غيتي)
رجل يلوح بالعلم الإيراني في منطقة دير الزور السورية (غيتي)
في مواجهة حزب الله -الذي يعمل على بناء جبهة جديدة- والتهديد الإيراني الذي تتغير طبيعته من حين لآخر؛ يبني الجيش الإسرائيلي جدارا من الخرسانة ومراكز مراقبة متقدمة قرب الحدود الشمالية، في معركة دائبة تراوح بين الاستعراض والردع.

بهذه المقدمة بدأ نيكولا باروت، المراسل الخاص لصحيفة لوفيغارو الفرنسية، مقالا حاول فيه رسم آليات الصراع بين إسرائيل وإيران، الذي قال إنه يتم عبر حزب الله في لبنان وسوريا.

وانطلق المقال من نفق بطول يزيد على كيلومتر تحت الحدود، قال المراسل إن حزب الله قام بحفره عند قرية المطلة، ولكن الجيش الإسرائيلي اكتشفه وحيد معه أنفاقا أخرى، كانت –حسب القوات الإسرائيلية- ستستخدم للعمليات ضد إسرائيل.

وعلى الحدود مع لبنان، يشاهد المراسل القرى المطلة على الحدود التي يسيطر عليها حزب الله، حيث يتراءى الإسرائيليون وجنود حزب الله من فوق الجدار الخرساني الذي أقامته إسرائيل على الحدود، والذي شبهه المراسل بنصب تذكاري لتخليد القبضة الإسرائيلية على المنطقة.

رعاة أبرياء
وعلى بُعد بضعة كيلومترات من قرية المطلة عند سفح جبل أفيتال، حيث أقام الجيش الإسرائيلي مراكز المراقبة، قال المراسل إن المنطقة توفر مناظر لا مثيل لها للسهول السورية، "حيث كان من الممكن متابعة القتال بين جيش بشار الأسد والمتمردين أو إرهابيي تنظيم الدولة الإسلامية قبل أن يعود الهدوء".

ويرى المراسل أن الجيش السوري رغم انتصاره في المنطقة، لم يعد سوى ظل، ولا يستطيع بمئات الرجال أن يسيطر حقيقة على الأرض، إلا أن حزب الله دخل ليسد الفراغ وينسج شبكاته هناك.

وأشار المراسل إلى أن القوات الروسية هي التي تنتشر في المنطقة لحفظ النظام، ولكنها تسمح للحزب بالعمل، إذ تتهم إسرائيل حزب الله والجيش النظامي السوري بإجراء دوريات مشتركة.

ويقول ستيفان كوهين -ضابط الاتصال السابق ببعثة الأمم المتحدة في المنطقة- إن "حزب الله يبني جبهة جديدة" في مدينة القنيطرة السورية، مضيفا أنه "يجند السوريين الذين يحتاجون إلى إطعام أسرهم".

ويقول الجيش الإسرائيلي إن الحزب جمع كثيرا من السلاح في المنطقة، وإنه يرسل "الرعاة الأبرياء" المزودين بهواتف محمولة إلى الحدود الإسرائيلية لجمع المعلومات الاستخبارية، رغم أن إسرائيل عززت وجودها في مرتفعات الجولان.
 

رموز غير مكتوبة
وأشار مراسل الصحيفة إلى أن إسرائيل تعلمت كيفية التعامل مع حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في جنوب قطاع غزة، إلا أن التهديد الإيراني في الشمال يتغير في طبيعته ويشوش إستراتيجية تل أبيب الدفاعية.

ويقول الطيار الإسرائيلي السابق رون تيرا، وهو محلل في مركز دراسات الأمن القومي، إن إيران -من خلال حزب الله- تغير قواعد اللعبة، خاصة أن هذه القواعد تتبع نظاما من الرموز غير المكتوبة، يسمح لكل واحد من الطرفين بالتصرف أو الرد دون أن يتسبب في إثارة الصراع.

لكن قدرات المليشيات الموالية لإيران قد تغيرت –كما يقول تيرا- إذ "لم يعد حزب الله مجرد فاعل وليس دولة، لأنه يمتلك قوة نارية تفوق قوة أعضاء الناتو، باستثناء الولايات المتحدة".

وقال المراسل إن الإيرانيين والإسرائيليين الذين يراقبون بعضهم البعض عبر الحدود، لم يعد مسارهم يتوقف هناك، بل إنه قد يمتد إلى لبنان أو سوريا أو العراق، حيث يخيم ظل إيران.

وذكّر بقصف إسرائيلي على قاعدة إيرانية في عمق الأراضي السورية بالقرب من الحدود العراقية، وقال إن إسرائيل تريد بذلك منع إيران و"وكلائها"، مثل حزب الله أو المليشيات الشيعية في العراق أو سوريا، من امتلاك صواريخ وطائرات مسيرة متزايدة القوة، تتيح لهم ضربات دقيقة وواسعة، مما يؤدي إلى أضرار كبيرة في إسرائيل.

وبدا للمراسل أن الهجوم "الفعال" الذي جمع بين الطائرات المسيرة والصواريخ على منشآت أرامكو النفطية في السعودية كان بمثابة تحذير من إيران، وأن إسرائيل فهمت تماما أن إيران يمكنها أيضا الوصول إلى أهداف إسرائيلية، وأن العملية قد تكون رد فعل من طهران على القصف الإسرائيلي.

شبح حرب الاستنزاف
وبقول مراسل لوفيغارو إن تركيب أسلحة دقيقة وقواعد دائمة لإيران في سوريا يعد تهديدا كبيرا لإسرائيل، وسببا محتملا لإثارة الصراع، لأن هذه تل أبيب -نظرا لحجمها وتركيز بنيتها التحتية- ستكون عرضة لهجمات منتقاة.

وبعد اعتبار كل من إسرائيل وإيران أنهما خصمان إقليميان لبعضهما البعض ولا يمكن التصالح معه، دخل البلدان في دوامة من التحذيرات والضربات، لرسم معالم قواعد الردع الجديدة في المنطقة، حيث تتحدى إيران "بشكل غير مقبول" هيمنة إسرائيل العسكرية التقليدية.

ويقول الباحث الفرنسي المتخصص في المنطقة بيير رازو إن "إسرائيل ترفض فكرة الردع المتبادل"، ولكن الأمان المطلق مستحيل، حيث إن المظلة النووية تضمن لها حماية المصالح الحيوية فقط، وليست أمانا من حرب النفوذ والمضايقة.

وأوضح أن تطور التسلح الإيراني عدّل منطق الحوار بين القوى الإقليمية، حتى قبل أن تكمل طهران برنامجها النووي، حيث إن أخشى ما تخشاه تل أبيب هو حرب استنزاف من شأنها على المدى البعيد أن تدفع الإسرائيليين إلى مغادرة الأرض.

ونبه المبعوث إلى أن تحقيق توازن القوى الجديد يجري في سياق انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة، حيث يقول الكاتب الإسرائيلي رون بن يشاي إن فكرة انسحاب الولايات المتحدة من سوريا "دمرت إسرائيل".
المصدر : لوفيغارو