عقوبات ترامب.. هل"نبع السلام" حرام و"عاصفة الحزم" حلال؟

الدوائر الأميركية ترى أنه لا بديل عن علاقة إستراتيجية مع تركيا (غيتي)
الدوائر الأميركية ترى أنه لا بديل عن علاقة إستراتيجية مع تركيا (غيتي)

محمد المنشاوي-واشنطن

استلزم الأمر أربعة أيام كي يصدر الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمرا رئاسيا بفرض عقوبات على تركيا بهدف الضغط عليها لإنهاء عمليتها العسكرية شمال شرق سوريا، لكنه وعلى مدى سنوات وبحسب مراقبين لم يتخذ موقفا من الحرب في اليمن في مواجهة التحالف السعودي الإماراتي رغم المناشدات المتكررة، بل إن ترامب أحبط كل تصويتات الكونغرس في هذا المجال.

وجاء قرار ترامب بعد إعلانه قبيل العملية العسكرية التركية سحب نحو ألف من القوات الأميركية في شمال سوريا، وسط انتقادات من الطيف السياسي بالولايات المتحدة وتجاذب مع الكونغرس، حيث أعلنت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي إنها اتفقت مع جمهوريين على ضرورة إصدار قرار يلغي قرار ترامب سحب القوات الأميركية من الشمال السوري.

لكن كل محاولات الكونغرس لم تنجح في فرض أي عقوبات على التحالف السعودي الإماراتي بسبب حربه في اليمن، بسبب استماتة ترامب في إعاقة أي تصويت يؤدي إلى هذه النتيجة، مما جعل معلقين يتساءلون "عما كان يفعله التحالف السعودي الإماراتي طيلة أربع سنوات في اليمن والذي تسببت غاراته في مقتل آلاف المدنيين".

وتشمل العقوبات التي تعهدت واشنطن بفرضها على تركيا بسبب عملية "نبع السلام" وزارتي الدفاع والطاقة التركيتين إضافة لوزراء الطاقة والدفاع والداخلية، كما قرر ترامب وقف مفاوضات تجارية مع أنقرة حول اتفاقيات تجارية ضخمة، وتعهد بفرض 50% رسوما جمركية على واردات بلاده من الحديد التركي.

وقد حذت أوروبا حذو ترامب في معاقبة أنقرة، حيث قرر وزراء خارجية الاتحاد الأوربي فرض عقوبات اقتصادية ضدها، وعلقت فرنسا وألمانيا وفنلندا وهولندا والنمسا وبلجيكا تصدير الأسلحة لتركيا على خلفية العملية العسكرية في سوريا.

تأثير العقوبات
ورغم التشدد الأميركي حيال أنقرة، عبر آروون لوند خبير شؤون الشرق الأوسط "سينشري فاونديشن" -في حديث مع الجزيرة نت- عن اعتقاده أن "فرض عقوبات لن يوقف تركيا، رغم أن العقوبات والتشدد من قبل الولايات المتحدة والدول الأوروبية مثل مفاجأة كبيرة للقيادة التركية".

وذكر أن قرار العقوبات سيكون حاضرا بشدة في حسابات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قبل اتخاذه الخطوة التالية.

واتفق مالك مفتي أستاذ العلاقات الدولية بجامعة تافتس بولاية ماساتشوستس مع لوند، إلا أنه أكد للجزيرة نت أن "العقوبات الأميركية المقترحة سيكون لها تأثير عكسي، وسيكون هناك دور أكبر لروسيا وستدعم علاقاتها مع تركيا".

واستغرب لوند بشدة حجم العقوبات المقترحة التي تستهدف الدولة صاحبة ثاني أكبر جيوش حلف الناتو، وقال إن صورة تركيا تأثرت بالفعل داخل الولايات المتحدة، لكن أن تلجأ واشنطن لفكرة فرض عقوبات على وزير الدفاع في دولة رائدة بالحلف "فهذا شيء غير مسبوق. والوضع أكثر صعوبة وتشددا من جانب الكونغرس".

وفي المقابل يرى ستيف والت البروفيسور بجامعة هارفارد أن الإجراءات التي اتخذتها واشنطن تعد "خطوات طبيعية من رئيس مثل ترامب، أولا يعطي ضوءا أخضر للغزو التركي، ثانيا يرسل مايك بنس نائب الرئيس ووزير الخارجية مايك بومبيو إلى تركيا للتفاوض حول وقف إطلاق النار، وفي النهاية سيطلب الحصول على جائزة نوبل للسلام لدوره في التهدئة".

الأكراد ليسوا اليمنيين
وقد تركت أزمة اعتقال القس الأميركي أندرو برانسون في تركيا لأكثر من عامين قبل الإفراج عنه العام الماضي شرخا كبيرا في علاقة أنقرة بالكونغرس، وظهر ذلك واضحا في غياب أي تأييد من أعضائه لعملية "نبع السلام".

وأكد مسؤول سابق للجزيرة نت أنه كان من الصعب السكوت على عملية عسكرية تستهدف الأكراد حتى وإن كانت على يد حليف آخر وعضو بحلف الناتو، وذلك "لأن الأكراد قاتلوا بجوارنا على مدار سنوات ضد تنظيم الدولة الإسلامية".

ورفض المسؤول -الذي عمل دبلوماسيا في عدد من الدول العربية- مقارنة الموقف الأميركي تجاه تركيا بالحرب في اليمن، وقال "إن اليمنيين ليسوا حلفاء لنا" ومع ذلك أصدر الكونغرس تشريعات ضد السعودية والإمارات.

وأضاف أن هناك الكثير من الغضب السابق على عملية "نبع السلام" داخل الكونغرس بسبب إقدام تركيا على الحصول على منظومة الدفاع الصاروخي الروسية أس-400، وهو ما مثل تحديا كبيرا للكونغرس وللعلاقات الإستراتيجية بين الدولتين.

حسابات إستراتيجية
ومع زيادة تعقد الأوضاع داخل مناطق شمال سوريا، وتركيز الإعلام الأميركي على معاناة المدنيين الأكراد، أصبح من الصعب العثور على أي جهة أميركية تدعم الموقف التركي حاليا، وقد ذكر تقرير لمجلة نيوزويك أن القادة العسكريين الأميركيين أنفسهم يفضلون أن تخضع مدينة منبج لسيطرة الروس ونظام الأسد على أن تقع تحت سيطرة تركيا.

ويختلف ديفيد ماك السفير السابق والخبير بمعهد الشرق الأوسط مع هذا الطرح، وأكد للجزيرة نت أن تركيا ما زال لها علاقات وتواصل واسع مع وزارة الدفاع وأجهزة الاستخبارات الأميركية.

ومما يقلق بعض الدوائر الأميركية الفراغ الذي أحدثه الانسحاب الأميركي من شمال شرق سوريا، ويرى الخبير لوند أن الأهم هو ما يجري على الأرض شمال شرق سوريا "فروسيا تسرع لتعوض الفراغ الأميركي، وستصبح لها الكلمة الأهم هناك، وستحاول عقد صفقات لخلق واقع جديد بين تركيا والحكومة السورية والأكراد".

كما ينظر الكثير من الخبراء الإستراتيجيين الأميركيين بقلق إلى الوضع الجديد، إذ "لم تلعب أي دولة أخرى الدور المحوري الذي لعبته تركيا خلال الحرب الباردة، وأدى في النهاية لانتصار الولايات المتحدة والغرب على الاتحاد السوفياتي" كما ذكر المسؤول الأميركي السابق.

لا بديل للتحالف مع تركيا
وتدرك الدوائر الأميركية أهمية تركيا لإستراتيجية واشنطن سواء داخل حلف الناتو، أو لتأمين مصالح الولايات المتحدة في جنوب أوروبا والشرق الأوسط.

ولطالما خشيت واشنطن من أي تقارب بين أنقرة وغريمتيها موسكو أو طهران، وقد أشارت دراسة حديثة لمركز خدمة أبحاث الكونغرس إلى أهمية الوجود الأميركي العسكري داخل تركيا بوصفها عضوا رئيسيا في حالف الناتو.

وركزت الدراسة على قاعدة أنجرليك في الجنوب التركي التي يوجد فيها تقليديا 2500 عسكري أميركي للقيام بمهام عسكرية في أفغانستان أو العراق أو سوريا.

ويرى لوند أنه وفي الفوضى الحالية "قد لا تستطيع روسيا تحقيق أهداف كبيرة، لكن علينا تذكر أن الروابط والعلاقات الروسية التركية تزداد متانة على خلفية الموقف الأميركي".

ويوضح أنه يجب التمييز بين تأثير الأزمة الحالية على علاقات الدولتين، فعلى المدى القصير "تأثرت بالفعل العلاقات ووصلت لمستوى متدن وحالة من التوتر غير المسبوق بين الدولتين بصورة لن يكون معها من السهل إصلاح ما تخسره هذه العلاقات".

وعلى المدى الطويل -يؤكد لوند- أن انتهاء الدعم الأميركي المباشر للقوات الكردية يعني أن أكثر العوامل المسببة للتوتر بين واشنطن وأنقرة سيتلاشى "وربما ننظر بعد سنوات قليلة إلى المرحلة الحالية ونقول إنها شهدت بداية جديدة إيجابية من علاقات الدولتين بسبب إنهاء الدعم الأميركي للأكراد".

من ناحية أخرى، يعتقد الكثير من خبراء الشأن التركي بالعاصمة الأميركية أنه لا يمكن لواشنطن التضحية بعلاقة التحالف الإستراتيجي مع تركيا في مواجهة النفوذ الروسي أو الإيراني المتصاعد بمنطقة شرق البحر المتوسط، إلا أنهم لا يعرفون كذلك سبيل الخروج من هذه الأزمة المتصاعدة بسرعة.

المصدر : الجزيرة