لوموند: بوتين هو الوسيط والرابح الأكبر مما يجري في سوريا

لوموند: بوتين ملتزم بتوحيد سوريا تحت سلطة الأسد (رويترز)
لوموند: بوتين ملتزم بتوحيد سوريا تحت سلطة الأسد (رويترز)

قالت صحيفة لوموند الفرنسية إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أصبح، بفضل انسحاب الولايات المتحدة من شمال سوريا، الوسيط الأول بين حليفته سوريا والأكراد الذين رمت بهم واشنطن وتركيا.

وفي مقال مشترك للصحفيين بنوا فيتكين وبنيامين بارت، قالت الصحيفة إن معركة منبج ربما لن تحدث، وأن ذلك يعود لبوتين، مع أن المنطقة كانت مرشحة لإراقة سيل من الدماء بين القوات الموالية للنظام والجيش التركي وحلفائه.

ولكن ما صدر أمس الثلاثاء في أبو ظبي عن جهات مقربة من بوتين، من أن مثل هذه المصادمات "غير مقبولة"، تبعته فيما يبدو تهدئة تركية سمحت للقوات الموالية للحكومة بدخول المدينة ذات الموقع الإستراتيجي قرب سد تشرين على الفرات، كما أوردت الصحيفة.

بوتين ينهي الحكم الذاتي للأكراد
وأشار الصحفيان إلى أن بوتين الذي أسقط مدينة حلب المتمردة عام 2016 وأنهى بذلك الانتفاضة المناهضة للأسد، سينهي اليوم، بتمكين النظام السوري في منبج، الحكم الذاتي الذي أسسه الأكراد في شمال البلاد.

ورأى الصحفيان أن سيد الكرملين أصبح حاكم الفوضى في سوريا، مع التزام بإعادة توحيد البلد تحت يد بشار الأسد، الذي هو دكتاتور بالتأكيد وغير مريح، ولكنه في الوقت الراهن قدر لا مفر منه في أعين بوتين.

سيناريو مثالي
وينقل الكاتبان عن المحلل السوري المقرب من المعارضة سمير التقي أن "بوتين أصبح الوسيط الأول في الأزمة، لأن الولايات المتحدة تخلت عن المنطقة، ولأن لديه تأثيرا على جميع الجهات الفاعلة في الملف".

ويأتي ذلك في وقت بدأ فيه تلاشي قوات سوريا الديمقراطية، وهي المليشيا الكردية التي اخترقتها وحدات حماية الشعب التي سيطرت على هذه الأراضي منذ عام 2015.

وبهذا ترى الصحيفة أن نظام الأسد أتيحت له الفرصة لاستعادة قدر أكبر من الأراضي في غضون أيام أو أسابيع قليلة، ودون قتال تقريبا، وهو أمر لم يكن باستطاعة حاكم موسكو تحقيقه من دون تواطؤ لا إرادي من قِبَل تركيا التي أصبحت فزاعة بهجومها على الوحدات الكردية التي تعتبرها إرهابية.

قوات النظام السوري في منبج أمس الأناضول)

عزلة الأكراد
وأشار الصحفيان إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ليس وحده من أعطى الضوء الأخضر لهذه العملية العسكرية التركية بإعلانه سحب قواته الحليفة لوحدات حماية الشعب من سوريا، لأن بوتين أيضا بصورة أقل صخبا فتح المجال للهجوم التركي، مخمنا أن هذه المعركة ستفيده أكثر.

والنتيجة، أنه خلال ثلاثة أيام، وافق الأكراد -تحت ضغط من القوات التركية وحلفائها السوريين- على العودة إلى حظيرة النظام في دمشق، بعد مفاوضات قادها كبار المسؤولين الروس في قاعدة حميميم الجوية ومطار القامشلي.

ونقل الكاتبان عن المحلل الروسي المقرب من السلطة فيودور لوكيانوف قوله إن الاتفاق الذي تم التوصل إليه يتفق مع "السيناريو المثالي" الذي حاول الكرملين مرارا إقناع الأكراد به، وهو التحول مع بعض الضمانات إلى وصاية النظام السوري، إلا أن الأكراد تجاهلوه وقتها بسبب الدعم الأميركي.

وقال مدير مركز دراسات الشرق الأوسط التابع لأكاديمية العلوم الروسية ألكساندر شوميلين، إن "الأمر المذهل هو أن بوتين انتصر على يد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان دون أن يتوجب عليه أن يفعل الكثير، ودون محاربة الآخرين".

أنقرة والناتو
وأشارت الصحيفة إلى أن عودة النظام السوري إلى الشمال ليست سوى استمرار وتضخيم لعملية استعادة السيطرة العزيزة على بشار الأسد الذي استعاد عام 2018 الضواحي الشرقية لدمشق وشمال حمص ومنطقة درعا، على الحدود مع الأردن، بدعم الطيران الروسي.

ويقول عالم الجغرافيا فابريس بالانش إن "بوتين قام بعمل جيد، لأن التحالف الكردي الأميركي لم يكن قابلا للاستمرار، حيث تظاهرت الولايات المتحدة بتصديق الاتحاد الكردي العربي الذي تجسد في قوات حماية الشعب، ظنا منها أنه قادر على فصل وحدات حماية الشعب عن حزب العمال الكردستاني الكردي الانفصالي الذي تصنفه واشنطن على أنه إرهابي، ولكن هذه الأوهام اختفت. وذهب الأميركيون".

سلسلة نجاحات لموسكو
ونبه الكاتبان إلى أن موسكو يمكنها أن تتفاخر بنجاح آخر وتعتبره ضمانا إضافيا، وهو عدم الثقة المتزايد بين أنقرة وحلفائها في الناتو، إضافة إلى سوء العلاقات التركية الأميركية المتزايد تحت تأثير العقوبات التي قررتها واشنطن.

وبالإضافة إلى ما سبق، ليس من المستبعد أن يدفع الحظر على الأسلحة الذي قررته دول أوروبية عدة، أنقرة إلى أحضان موسكو أكثر فأكثر.

غير أن النجاح الروسي -كما ترى الصحيفة- لا يزال هشا، حيث إن أردوغان لم يقل كلمته النهائية بعد، خاصة مع رؤية حلمه يتلاشى ببناء "منطقة آمنة"، وبالتالي على بوتين أن يحرص على عدم عزل الرئيس التركي الذي يحتاجه لإدارة ملف إدلب، آخر معقل للثورة السورية، حيث توجد هدنة محفوفة بالمخاطر.

ولكن سلامة سوريا لم تكن أبدا مصدر القلق الرئيس لزعيم الكرملين -كما تقول الصحيفة- بل إن الرجل الذي ألقى القنابل على حلب وإدلب كان هدفه في المقام الأول طرد الغربيين وحلفائهم مما يعتبره عرينه الخاص.

وهكذا، بعد أربع سنوات من تدخل جيشه في سوريا، يقترب بوتين من هدفه، حيث استبدل -في سهول منبج وكوباني- بالجنود الأميركيين جنودا آخرين بلكنة مختلفة من القوات الخاصة الروسية.

المصدر : لوموند