بدائل نقص المياه بعد سد النهضة.. هل تشرب مصر من البحر؟

الزراعة في مصر هي المتضرر الأول من سد النهضة (الجزيرة)
الزراعة في مصر هي المتضرر الأول من سد النهضة (الجزيرة)

دعاء عبد اللطيف-القاهرة 

بعد سنوات من التصريحات المطمئنة أعلنت الحكومة المصرية دخول البلاد في مرحلة الفقر المائي، وذلك بالتزامن مع إعلان وصول المفاوضات مع الحكومة الإثيوبية بشأن سد النهضة إلى طريق مسدود. 

وكشف رئيس مجلس الوزراء المصري مصطفى مدبولي -ضمن بيان ألقاه تحت قبة البرلمان المصري قبل يومين- عن خطة حكومية لتوفير مصادر بديلة لمياه النيل، مؤكدا في الوقت نفسه ضرورة وجود وسيط دولي أمام ما وصفه بـ"التعنت الإثيوبي" لحل أزمة سد النهضة. 

وحسب التعاريف الدولية تدخل أي دولة مرحلة الفقر المائي عندما يصبح نصيب الفرد أقل من ألف متر مكعب في السنة. 

وكان وزير الري المصري محمد عبد العاطي، أعلن انخفاض نصيب الفرد من المياه إلى أقل من ستمئة متر مكعب سنويا، متوقعا أن تنخفض الحصة إلى أقل من 350 مترا مكعبا سنويا خلال الثلاثين سنة المقبلة. 

مصادر بديلة
وأمام تراجع نصيب الفرد من الماء والمخاوف الكبيرة إزاء ما سيحدثه تخزين المياه وراء سد النهضة من انخفاض حصة مصر من النيل، تحاول القاهرة البحث عن مصادر جديدة تجنبها العطش، وفي الوقت نفسه تحقق ترشيد الاستهلاك المائي.
 
وكشف رئيس الوزراء عن وضع رؤية إستراتيجية للمياه في مصر حتى 2037، تشمل التوسع في محطات التحلية سواء تحلية مياه البحر أو المياه الجوفية، والتحول إلى الري الرشيد، ومعالجة مياه الصرف الصحي والصرف الزراعي.
 
وقال إن الدولة بدأت بالفعل في تنفيذ خطتها التي تشتمل على إقامة مشروعات خلال أقل من ثلاث سنوات، بتكلفة تبلغ 110 مليارات جنيه، وترتفع إلى 160 مليار جنيه خلال الفترة المقبلة. 
 
ودلل على نجاح الجهود الحكومية في هذا الصدد، بتأكيد ارتفاع إجمالي طاقة إنتاج مياه التحلية من ثمانين ألف متر مكعب في اليوم -قبل ثلاث سنوات- إلى ثمانمئة ألف متر مكعب، في الوقت الراهن. 
 
وفي وقت سابق أعلن وزير الإسكان عاصم الجزار، العمل على إنشاء 52 محطة لمعالجة المياه في الجنوب، مؤكدا الانتهاء من 38 محطة حتى الآن.
 
وكان البرلمان أصدر قانونا يحجم فيه زراعة محاصيل تستهلك كثيرا من المياه مثل الأرز، ما أدى إلى بدء استيراد مصر للأرز بعد أن كانت تصدره.
 
وحذر مسؤولون حكوميون من فقدان أربعة ملايين مصري وظائفهم بسبب تدهور الأراضي بالدلتا تأثرا بالتغيرات المناخية، وبوار مئتي ألف فدان نتيجة خفض حصة مصر من مياه النيل بما يتجاوز 2%. 
 
من جانبه، طرح  اختصاصي التوعية بشركة مياه الشرب والصرف الصحي أحمد بهنسي، بدائل عدة لسد العجز المائي، منها اتباع نظم ري حديثة، والعدول عن طريقة الري بالغمر، واستنباط تقاوي (بذور) تعتمد على المياه البسيطة، إلى جانب الاستفادة من مياه الأمطار.
 
كما قال بهنسي -في تصريحات صحفية- إن تغطية الترع والمصارف مع تطهير المجاري المائية من النباتات التي تتكاثر بها مثل ورد النيل، وتفعيل القوانين التي تجرم إهدار المياه، سيؤدي إلى خفض نسب المياه المهدرة.
مأزق البدائل
وحول إمكانية الاعتماد على تحلية مياه البحر لسد العجز المائي، قلل أستاذ هندسة السدود بجامعة يونتين في ماليزيا محمد حافظ، من قدرة مصر الاستثمارية والنفطية على تحلية الكمية المطلوبة من المياه، لافتا إلى تراجع الحكومة عن إمداد العاصمة الإدارية الجديدة بالمياه المحلاة.
 
وأرجع حافظ في حديثه للجزيرة نت، التراجع الحكومي لارتفاع فواتير المياه المحلاة، قائلا إن فاتورة مياه البحر ستصل -وفي أرخص الحالات- لقرابة 18 جنيها لمتر المياه الواحد، في وقت تصل فيه تكاليف المعالجة الثلاثية لمياه النيل لقرابة 2.5 جنيه فقط، ما سيكون عبئا على المواطن الذي سيسكن العاصمة الجديدة.
 
إذن تحلية مياه البحر ليست هي الحل الأمثل لتعويض العجز المائي المنتظر، وفق قول الخبير المائي، حيث لا تمتلك مصر القدرة المالية لبناء محطات تحلية، ولا يقدر المواطن على شراء مياه باهظة الثمن.
 
أما الاعتماد على المياه الجوفية لسد العجز المائي، فاستبعدها حافظ أيضا، لكون المياه الجوفية تنبع من سطح مياه الترعة المتفرعة من نهر النيل، وعليه فالنقص في منسوب النيل يؤدي حتما لانخفاض منسوب المياه الجوفية، بل جفافها في بعض المناطق.
 
وبالنسبة للمياه الجوفية في المناطق الصحراوية البعيدة عند أعماق تتراوح بين (600 - 1200 متر تحت سطح الأرض)، فأوضح الخبير المائي وجود مخزون ضخم بالفعل، ولكن معظمه غير متجدد ولا يمكن سحب أكثر من أربعة أو خمسة مليارات متر مكعب سنويا، مشيرا إلى التكلفة المرتفعة سواء في مراحل سحب المياه أو معالجتها.
 
ويبقى تدوير مياه الصرف، حيث أكد حافظ أن مصر تستطيع تدوير 15 مليار متر مكعب من مياه الصرف، وذلك بعد استخدام حصتها ذات الـ 55.5 مليار متر مكعب.
 
وأوضح أنه عندما تنخفض الحصة من 55 إلى 25 مليار متر مكعب أثناء تخزين سد النهضة، فلن تزيد المياه المتحصلة من معالجة الصرف عن سبعة أو ثمانية مليارات متر مكعب، مضيفا أن نصيب الفرد من المياه سينخفض في هذه الحال إلى 320 مترا مكعبا سنويا.
معاناة الفلاح
لكن في حال إقرار الحكومة المصرية لسياسة المصادر المائية البديلة، فهل الفلاح المصري الذي تتحصل زراعته على 80% من حصة مصر النيلية، سيتكيف مع طرق الري البديلة؟
 
يجيب عن هذا السؤال الكاتب الصحفي المختص في الشأن الزراعي جلال جادو، موضحا أن الفلاح المصري يعاني منذ خمس سنوات من قلة مياه الري، وحتى مياه الشرب خاصة في محافظات الصعيد. 
 
واعتبر جادو في حديثه للجزيرة نت أن معاناة الفلاحين على مدار سنوات، إستراتيجية يقوم بها النظام العسكري ليُكيّف المزارعين مع نقص المياه "استعدادا للكارثة التي ستحل مع اكتمال بناء سد النهضة"، بحسب وصفه.
 
وأضاف جادو أن النظام المصري بدأ فعليا في إجبار الفلاح على البديل المتاح -وهو مياه الصرف- حيث قرر النظام زيادة مساحة الأرز هذا الموسم على 724 ألف فدان بحوالي 250 ألف فدان، لكن بشرط أن تروى بمياه الصرف الزراعي والصحي والصناعي.
 
ووصف الكاتب الصحفي لجوء الحكومة إلى تحلية مياه البحر ومعالجة الصرف بـ "الدجل والشعوذة في حق الشعب المصري"، مضيفا "مهما بلغت قدرات محطات التحلية والمعالجة، فلن تستطيع تعويض ولو نصف في المائة من عجز المياه بسبب سد النهضة".
 
وقال إن مياه الصرف المعالجة التي أنفق عليها النظام 110 مليارات جنيه في إطار خطة تلتهم تسعمئة مليار جنيه من أموال المصريين، لا تصلح إلا في ري الحدائق ومزارع الأخشاب، وغير صالحة لري المحاصيل. 
المصدر : الجزيرة