عام على اغتيال خاشقجي.. ترامب ومأزق حماية بن سلمان

ناشطون يتظاهرون أمام مبنى وزارة الخارجية في واشنطن للمطالبة بتوقيع عقوبات على الرياض على خلفية مقتل خاشقجي (رويترز)
ناشطون يتظاهرون أمام مبنى وزارة الخارجية في واشنطن للمطالبة بتوقيع عقوبات على الرياض على خلفية مقتل خاشقجي (رويترز)

محمد المنشاوي-واشنطن

مثلت جريمة قتل الكاتب الصحفي السعودي جمال خاشقجي اختبارا عسيرا وطويلا لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في ظل الضغوط التي تتعرض لها من المؤسسات الأميركية ممثلة في الكونغرس ووكالة الاستخبارات المركزية (سي آي أي) والتي نحت إلى مواقف مغايرة لموقف ترامب الداعم لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الذي قالت تقارير استخباراتية إنه يقف وراء مقتل الصحفي السعودي.
 
وعقدت طبيعة العلاقات الإستراتيجية بين واشنطن بالرياض، والبعد الشخصي للعلاقة بين ترامب وبن سلمان رد الفعل الأميركي على الجريمة التي هزت العاصمة واشنطن.
 
وعلى الرغم من مواقف الكونغرس ووكالة الاستخبارات المركزية (سي آي أي) التي حملت بن سلمان المسؤولية عن مقتل خاشقجي فإن واشنطن اكتفت حتى الآن بفرض بعض العقوبات المالية، وحظرت دخول 17 متهما بالتخطيط والمشاركة في قتل خاشقجي.
 
وفي هذا الإطار، يعتبر البروفيسور وليام يومانز من جامعة جورج واشنطن في حديث للجزيرة نت أن "فشل الإدارة الأميركية في تحميل أي طرف مسؤولية مقتل خاشقجي لا يمثل أي مفاجأة، فالقادة الأميركيون يتواطؤون منذ فترة طويلة مع الكثير من الحلفاء، ولذا فليس بمفاجأة أن يتصور القاتلون أنهم لن يخضعوا لأي عقاب أو مساءلة أميركية".
ترامب يقدم عرضا لعميات الشراء السعودية لمعدات عسكرية أميركية أثناء استقباله بن سلمان في مارس/آذار 2018 (رويترز)
ترامب ضد المؤسسات
وعلى الرغم من موقف ترامب الداعم لولي العهد السعودي لدرجة ضربه عرض الحائط بأصوات المشرعين والسياسيين والصحفيين الأميركيين التي تطالب باتخاذ موقف حاسم ينسجم مع القيم الأميركية إزاء المسؤولين عن مقتل خاشقجي فإن ترامب لم يستطع تبرئة بن سلمان بصورة قاطعة في ظل الضغوط التي يتعرض لها من المؤسسات الأميركية.
 
وفي تعليقه على تقرير سري للاستخبارات الأميركية سربه مسؤولون كبار لصحف أميركية ويحمل محمد بن سلمان مسؤولية قتل خاشقجي، قال ترامب إن "وكالاتنا الاستخباراتية تواصل تقييم المعلومات، لكن من المحتمل جدا أن ولي العهد كان على علم بهذا الحدث المأساوي.. ربما كان يعلم وربما لم يكن يعلم".

بدوره، أوضح رئيس لجنة الشؤون الخارجية السابق في مجلس الشيوخ بوب كوركر أنه لا يساوره "أدنى شك في أن ولي العهد السعودي أمر بقتل الصحفي السعودي"، وتعهد بأن تتخذ واشنطن "خطوات مشددة بشأن مقتل خاشقجي والحرب في اليمن".

وبالفعل اتخذ الكونغرس بمجلسيه مواقف أكثر قوة تجاه السعودية، خاصة بعدما قدمت مديرة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جينا هاسبل إفادة مغلقة في الكونغرس بخصوص مقتل خاشقجي في قنصلية بلاده بإسطنبول.

ولم تقتصر مواقف الكونغرس على حدود عملية اغتيال خاشقجي، بل امتدت لتشمل مراجعة شاملة في ملفات العلاقات الواسعة والمتعددة بين واشنطن والرياض.

وتبنى الكونغرس مشاريع قوانين تحظر تصدير أسلحة للرياض ووقف الدعم العسكري الذي تقدمة الولايات المتحدة للتحالف العربي في الحرب في اليمن، إلا أن الرئيس ترامب استخدم حق الفيتو الدستوري ورفض القرارات.

أسباب رمادية
ويبرر ترامب موقفه الداعم للرياض بأنه إذا اتخذ أي موقف مغاير فسيتجه السعوديون بأموالهم إلى روسيا والصين.

لكن مراقبين يربطون موقف ترامب بالدور السعودي في الترويج لما تعرف بـ"صفقة القرن" الهادفة لتسوية القضية الفلسطينية، حيث يمكن للرياض أن تلعب دورا ضاغطا على السلطة الفلسطينية للقبول بطرح فريق ترامب الذي يشرف عليه صهره ومستشاره جاريد كوشنر.

وقد أشار ترامب صراحة إلى أن للسعودية دورا بحماية إسرائيل، كما ذكر صهره كوشنر في لقاء مع محطة فوكس نيوز ردا على سؤال عن مقتل خاشقجي "نحن لا نزال نتابع تقييم قضية مقتل خاشقجي، لكن الإدارة الأميركية تركز الآن على المنطقة الأوسع في الشرق الأوسط، حيث نتمنى جميعا التوصل إلى اتفاق بين الإسرائيليين والفلسطينيين".

ونسج بن سلمان وكوشنر علاقات خاصة، وذكرت تقارير أميركية أن المصالح الاقتصادية بين عائلة الرئيس ترامب وعائلة كوشنر قد تكون لعبت دورا كبيرا في تحديد الموقف الأميركي من مقتل خاشقجي.

ويعتقد دوج باندو المسؤول السابق في إدارة ريغان والباحث بمعهد كاتو بواشنطن في مقال له بمجلة أميركان كونسيرفاتيز أن الرئيس ترامب مصمم على الدفاع عن المملكة السعودية بكل الوسائل.

وعقب الهجوم على منشأتي شركة أرامكو في 14 سبتمبر/أيلول الجاري، عرض ترامب الدفاع عن السعودية، كما أرسل المزيد من القوات الأميركية للدفاع عن الرياض في وجه أي هجمات مستقبلية.

ويرى باندو أن "السعودية لا تجمعها بأميركا أي من القيم الأميركية ولا المصالح المشتركة".

في المقابل، أعلنت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي لصحيفة بوليتيكو "أن مقتل جمال خاشقجي يعد أحد الأسباب لرفضها تقديم أي دعم للسعودية للرد على هجمات منشأتي أرامكو".

بيرني ساندرز: السعودية تتحرك بإيعاز وتشجيع من ترامب مما أدى لوقوع كوارث باليمن (رويترز)

شرخ كبير بالعلاقات 
وخلال حديث له أمام جامعة جون هوبكنز، أكد السيناتور بيرني ساندرز أن "المملكة السعودية تتحرك بإيعاز وتشجيع من ترامب، وهو ما أدى لوقوع كوارث في اليمن، إضافة إلى مقتل خاشقجي، ومغامرات أخرى لولي العهد الذي يشعر بالطمأنينة لدعم إدارة ترامب غير المحدود".

من ناحية أخرى، وخلال مشاركتها في مؤتمر عقده مجلس سياسات الشرق الأوسط قبل أسابيع بواشنطن، رأت دانا سترول المسؤولة السابقة في الكونغرس والباحثة حاليا بمركز واشنطن لسياسات الشرق الأدنى أن "العلاقات بين واشنطن والرياض تتعرض لأكثر الأزمات حدة منذ 2001، أو ربما تتخطاها في عمق الشرخ، إذ إن هناك اتفاقا في الموقف المعادي للسعودية بين المجلسين، الشيوخ والنواب، وبين الحزبين، الديمقراطي والجمهوري".

وبحسب سترول، لا يرتبط الشرخ بالإدارة الحالية "إذ إن الشرخ لم يبدأ مع ترامب ولن ينتهي معه، فتمرير قانون جاستا عام 2016 في عهد الرئيس السابق باراك أوباما كان نقطة مهمة جدا في تاريخ العلاقات".

وعلى الرغم من دعم البيت الأبيض، يبحث الكونغرس قائمة طويلة من القضايا ضد السعودية تتضمن تشريعات وقوانين في قضايا عدة، منها: 

*مشتريات السلاح
*حق إعلان الحرب من أجل وقف الدعم العسكري الأميركي للسعودية في اليمن
*وقف الحرب في اليمن
*محاسبة قتلة جمال خاشقجي
*المعتقلون السياسيون داخل السعودية
*قانون ماغنيتسكي ومحاسبة المسؤولين عن قتل خاشقجي
*تصدير التكنولوجيا النووية السلمية

وطبقا لسترول، فقد أصبح يطرح سؤالا يتعلق بالسعودية، وهو سؤال لم تتطرق إليه دوائر واشنطن على مر تاريخ العلاقات الممتدة منذ الحرب العالمية الثانية، وهو: هل السعودية عنصر استقرار للشرق الأوسط أم عنصر توتر وعدم استقرار؟ وتستخدم واشنطن حاليا لغة غير مسبوقة تجاه السعودية لا تستخدم مع الأصدقاء أو الحلفاء.

المصدر : الجزيرة