لوفيغارو: عالم التجسس.. انتكاسات الاستخبارات العسكرية الروسية

العميلان بتروف وبوشيروف المتهمان بمحاولة اغتيال سكريبال (رويترز)
العميلان بتروف وبوشيروف المتهمان بمحاولة اغتيال سكريبال (رويترز)
بعد انكشاف أربعة من عملائها وسلسلة من الإخفاقات بينها قضية سكريبال، تجد الاستخبارات العسكرية الروسية نفسها مشوهة السمعة وغير فعالة، كما قالت صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية في تحقيق لمراسلها بموسكو بيار أفريل.
وقالت الصحيفة إن اثنتين من وسائل الإعلام غير المشهورة استطاعتا -بوسائل متاحة لأي إنسان- أن تطيح -للمرة الرابعة خلال ستة أشهر- بعميل سري روسي، مشيرة إلى انكشاف عميلين شاركا في محاولة انقلابية في الجبل الأسود، وآخرين متهمين بمحاولة اغتيال العميل الروسي السابق سيرغي سكريبال في بريطانيا.
وأضافت أن الاستخبارات العسكرية التي كانت في الماضي بنية النخبة للتجسس الروسي، أصبحت -بعد انكشاف أربعة من عملائها- سيئة السمعة ومشكوكا في فعاليتها. يقول المؤرخ المتخصص في التجسس الروسي ألكسندر كولباكيدي "إن الأضرار التي لحقت بالمؤسسة سيئة للغاية، وتتطلب مراجعة جميع أساليب العمل.. لم نشهد مثل هذا الفشل في روسيا".
وعلى عكس استخبارات "أف.أس.بي" التي تقتصر مهامها نظريا على الأراضي الروسية، تقوم الاستخبارات العسكرية -التي أنشأها البلشفيون عام 1918- بعمليات نشطة في الخارج معتمدة على وزارة الدفاع، خاصة في تدخلها في جمهورية الجبل الأسود التي ظلت موسكو تعارض انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي (ناتو).
وتختلف الاستخبارات العسكرية الروسية عن نظيرها المدني "أس.في.آر" المتخصص أيضا في الاستخبارات الأجنبية، حيث يقول قائده السابق إيغور سيرغون الذي توفي في ظروف لا تزال غامضة "إنه جهاز التجسس الوحيد في العالم الذي يمتلك كل وسائل التجسس المتاحة، رغم أن حجم مقره الرئيسي أصغر بكثير من نظرائه في العالم. إن نجاح مهامه يعود إلى كفاءة عملائه ومهنيتهم العالية".
آثار خرقاء
وقال كاتب التحقيق إن أربعة عملاء إضافيين من جهاز الاستخبارات العسكرية الروسية تم التعرف عليهم في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي من قبل شركة هولندية لمكافحة التجسس، بعد محاولتهم اختراق أجهزة الحاسوب التابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية أثناء تحقيقها في قضية الأسلحة الكيميائية التي استخدمها النظام السوري في دوما.
وأوضحت لوفيغارو أن الجواسيس ألقي القبض عليهم في موقف للسيارات بلاهاي يواجه مقر المنظمة، وسياراتهم مليئة بالأجهزة الإلكترونية وهم يخبئون هوائيا تحت معطف، ولديهم العديد من الهواتف النقالة وحاسوب وبطارية، محاولين اعتراض شبكة واي فاي تابعة للمنظمة ورموز الاتصالات، كما أوضحت السلطات الهولندية.
وقد تم اعتقال وترحيل العملاء الأربعة الذين يستخدمون جوازات سفر دبلوماسية، إلا أن موسكو ادعت أن الموضوع حصل فيه "سوء فهم"، وشجبت ما قالت إنها "حملة دعائية استفزازية". وبررت وزارة الخارجية الروسية وجود الأجهزة التي استولى عليها الجهاز الهولندي المضاد للتجسس، بأنها "كانت لاختبار نظم المعلومات في سفارتنا في هولندا، وذلك بسبب محاولات التسلل الإلكتروني المتكررة على المؤسسات الروسية هناك".
ووفقا للولايات المتحدة، فإن الجواسيس الأربعة كانوا ضمن مجموعة من سبعة عناصر من الاستخبارات العسكرية الروسية متهمين بتنفيذ هجمات إلكترونية على المنظمة العالمية لمكافحة المنشطات وعلى اللجنة الأولمبية الدولية والاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) وعلى محكمة التحكيم الرياضية، فضلا عن ثلاثين من الهيئات الوطنية، بما في ذلك وكالات مكافحة المنشطات الكندية والأميركية.
 
وعلقت الصحيفة بأن كل هذه العمليات التي تم إجهاضها تشترك في شيء واحد، هو الآثار الخرقاء التي تركها القائمون بها، مشيرة إلى تحويل مصرفي عبر "ويسترن يونيون" أرسل من عنوان مقر الاستخبارات العسكرية بموسكو، ومعه تذكرة سيارة أجرة صادرة من نفس العنوان.
وقال التحقيق إن التصرف الساذج الذي قام به العميلان الروسيان بيتروف وبوشيروف في عملية سالزبوري تجاهل أبسط قواعد التخفي، إذ سافرا مرتين بنفس الجواز إلى العاصمة البريطانية، وعادا في اليوم الموعود على رحلة عادية إلى موسكو. وعلق سيرغي كوستين مؤلف كتاب عن مخابرات "كي.جي.بي" بأن "مثل هذه الأخطاء لا يرتكبها أكثر أجهزة الاستخبارات الأوروبية تواضعا".
أما المحقق بموقع "إنسايدر" رومان دوبروخوتوف فقال "نحن ببساطة أمام عملاء غير أكفاء تلقوا تدريبا وإشرافا سيئين، وهم يجهلون أننا نعيش في عالم بالغ الشفافية"، متعجبا من السهولة التي أسقط بها أربعة عملاء باستخدام جهاز لوحي، بل إنه اكتشف على الإنترنت أن "هناك موظفين فاسدين على استعداد لبيع قواعد بيانات بمئة دولار".
قرويون بسطاء
وببساطة تمكن دوبروخوتوف من العثور على أثر ورقم تسجيل السيارة العائلية لعناصر عملية سالزبوري المسجلة أيضا في عنوان الاستخبارات العسكرية، متوقعا أن يكون ألف عميل في نفس الحالة، ومستغربا ضعف السير الذاتية للجواسيس المولودين جميعا في قرى نائية بسيبيريا.
وقال إنه "في العصر السوفياتي كان من يعملون في الاستخبارات العسكرية مثقفين يمثلون النخبة في البلاد". أما اليوم كما يقول "فنحن نتعامل مع قرويين بسطاء.. ماذا يمكن أن نتوقع منهم؟".
وقالت لوفيغارو إن هذا لم يكن هو الحال دائما في تاريخ الاستخبارات العسكرية السوفياتية في الأصل، غير أن الكمّ سيطر على الكيف عندما أراد الجيش الأحمر أن يصبح دولة داخل  الدولة إلى جانب "كي.جي.بي" والحزب، فأصبح يجند جواسيس لإرسالهم إلى الفضاء السوفياتي الجديد وما بعده على أمل تصدير الشيوعية.
يقول فيكتور سوفوروف الضابط السابق في الاستخبارات العسكرية السوفياتية ومؤلف كتاب عن تاريخ الخدمة والفار إلى الغرب عام 1978 "إذا كان واحد فقط من بين كل مئة من الوكلاء الذين أرسلوا إلى الخارج موهوبين، وكانت موهبته تعوض عن افتقاره إلى التعليم، فقد كان ذلك كافيا إلى حد كبير لجعل الاستخبارات سعيدة. لم يكترث أحد لأولئك الذين تم اكتشافهم، فالاتحاد السوفياتي لم يعترف أبدا بأنهم عملاؤه".
محاولات القرصنة
وقالت الصحيفة إن الانتكاسات الأخيرة للاستخبارات العسكرية الروسية تعود لمرحلة توسع الجهاز من جميع النواحي، التي صاحبت التوجه المعادي للغرب في أعقاب ضم جزيرة القرم عام 2014.
 
وقد تعرف موقع "إنسايدر" على هوية القرصان غيورجي روشكا الذي ينتمي إلى الاستخبارات العسكرية الروسية والمشارك في محاولة قرصنة حملة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون
وتقول أجهزة الاستخبارات الغربية إنها تواجه حملة نفوذ منسقة من قبل الكرملين تشارك فيها الدبلوماسية الروسية ووسائل الإعلام الرسمية وأجهزة الاستخبارات ورجال الأعمال، في حين يقول الروس إن الأمر -على العكس من ذلك- جزء من "مقاربة خوف من كل ما هو روسي" يهدف إلى "كبح تطور روسيا".
وخلصت الصحيفة إلى أنه لا أحد ينتظر إصلاحات عميقة تتناسب مع الضرر البالغ الذي لحق بالاستخبارات العسكرية الروسية، لأن موسكو ما تزال وفية لعادتها القديمة من نفي أي مسؤولية لها في عمليات التجسس الأخيرة.
فقد قال رئيس الكرملين يوم 2 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي بمناسبة الذكرى المئوية لتأسيس المؤسسة "أنا مقتنع بكفاءتكم وشجاعتكم الشخصية وروح صنع القرار لديكم.. أعلم ما يفعله كل واحد منكم لروسيا وشعبنا".
ونبهت لوفيغارو في ختام تحقيقها إلى أن جميع أجهزة الاستخبارات تم إصلاحها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي باستثناء الاستخبارات العسكرية التي توفي رئيسها إيغور كوروبوف أواخر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي وهو على اللائحة السوداء الأميركية.
المصدر : لوفيغارو