مؤرخ إسرائيلي: سياسة تل أبيب في غزة تمثل أبشع صور الكذب والوحشية

دبابات الاحتلال على مشارف غزة خلال الحرب العدوانية عليها عام 2008 (غيتي)
دبابات الاحتلال على مشارف غزة خلال الحرب العدوانية عليها عام 2008 (غيتي)

في مقاله بصحيفة "الغارديان"، علق المؤرخ الإسرائيلي آفي شلايم بأن الشهر الجاري يصادف الذكرى العاشرة لأول هجوم عسكري كبير على مليوني فلسطيني في قطاع غزة. وأشار إلى أن إسرائيل بعد انسحابها الأحادي من غزة عام 2005، حوّلت المنطقة إلى أكبر سجن مفتوح على الأرض، وأنه منذ ذلك الحين كانت السمتان اللتان تمثلان معاملة إسرائيل للقطاع هما الكذب والوحشية في أبشع صورهما ضد المدنيين.

وانتقد شلايم -وهو أستاذ فخري في العلاقات الدولية بجامعة أكسفورد- الهجوم الكاسح الذي أطلق عليه "عملية الرصاص المصبوب" يوم 27 ديسمبر/كانون الأول 2008 واستمر 22 يوما؛ بأنه لم يكن حربا أو حتى "حربا غير متكافئة"، ولكنه كان مجزرة من جانب واحد قتل فيها بلغة الأرقام 13 إسرائيليا مقابل 1417 غزّيا -بينهم 313 طفلا- وأكثر من 5500 جريح.

ويقول -وفقا لأحد التقديرات- إن 83% من الضحايا كانوا من المدنيين. وزعمت إسرائيل وقتها أنها تتصرف دفاعا عن النفس وتحمي مدنييها من الهجمات الصاروخية لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، لكن الأدلة تشير إلى حرب عدوانية وعقابية متعمدة.

وذكر الكاتب أنه كان لدى إسرائيل بديلا دبلوماسيا، لكنها اختارت تجاهله واللجوء إلى القوة العسكرية الغاشمة كما أخبره أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأميركية في واشنطن روبرت باستور عبر الهاتف عن قصة الفرصة الضائعة لتفادي الحرب، وتأكدت لاحقا في رسالة إلكترونية إلى الدكتورة ماري إليزابيث كينغ -وهي مساعدة مقربة من الرئيس الأسبق جيمي كارتر- يوم 8 ديسمبر/كانون الأول 2013، أي قبل شهر من وفاة باستور.

منازل مدمرة في غزة أثناء العدوان عليها عام 2008 (رويترز)

وأشار شلايم إلى أن باستور التقى رئيس المكتب السياسي لحماس آنذاك خالد مشعل في ديسمبر/كانون الأول 2008، وسلمه مشعل مقترحا مكتوبا حول كيفية استعادة وقف إطلاق النار الذي كان في الواقع اقتراحا لتجديد اتفاقية وقف إطلاق النار في يونيو/حزيران 2008 بالشروط الأصلية.

ثم سافر باستور إلى تل أبيب والتقى رئيس مكتب الشؤون السياسية بوزارة الدفاع الجنرال عاموس جلعاد الذي وعد بنقل الاقتراح مباشرة إلى وزير الدفاع إيهود باراك، وتوقع ردا إما في ذاك المساء أو في اليوم التالي. واتصل باستور بمكتب جلعاد ثلاث مرات ولم يحصل على أي رد، وبعد ذلك بوقت قصير شنت إسرائيل عملية "الرصاص المصبوب".

وقال المؤرخ الإسرائيلي إن "باستور فوّضه -في الرسالة الإلكترونية التي أملاها لابنه وهو يحتضر- بنشر هذه القصة ونسبتها إليه لأنها لحظة مهمة في التاريخ يجب على إسرائيل قبولها، لأنه كان لديها بديل للحرب في ديسمبر/كانون الأول 2008".

وأضاف أنها كانت بالفعل لحظة حرجة وحملت رسالة واضحة هي أنه إذا كان الهدف الحقيقي لإسرائيل هو حماية مدنييها، فإن كل ما تحتاج إليه هو اتباع نموذج حماس عن طريق مراقبة وقف إطلاق النار.

واعتبر شلايم عملية "الرصاص المصبوب" رمزا لكل ما هو خطأ في نهج إسرائيل تجاه غزة، وأن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني صراع سياسي ليس له حل عسكري. ومع ذلك تواصل إسرائيل تجنب الدبلوماسية وتعتمد على القوة العسكرية الغاشمة، لا كملاذ أخير وإنما كملاذ أول، فهي تعرف منطق القوة، لا قوة المنطق. وهناك قول إسرائيلي مأثور يؤكد ذلك وهو "إذا لم تنجح القوة فاستخدم المزيد منها!".

شهداء شرطة حماس بعد تدمير مجمعهم في غزة إثر غارة إسرائيلية جوية عام 2008 (رويترز)

وقد كانت عملية "الرصاص المصبوب" الأولى في سلسلة من الحروب الإسرائيلية الصغيرة على غزة، تبعتها عملية في نوفمبر/تشرين الثاني 2012 وأخرى في صيف 2014.

وعلق شلايم على الأسماء الرنانة التي أطلقت على هذه العمليات بأنها كانت "مخادعة"، تدثرت فيها هذه الهجمات العدوانية على المدنيين العزل والبنية التحتية المدنية بلغة الدفاع عن النفس زورا ونفاقا.

وأضاف أن هذه العمليات أمثلة نموذجية على هذه اللغة المبهمة المتعمدة، وينطبق عليها وصف الأمين العام السابق للأمم المتحدة بان كي مون عندما وصف الهجوم الإسرائيلي في أول أغسطس/آب 2014 على رفح، الذي قتل فيه عدد كبير من المدنيين في المدارس التابعة للمنظمة الدولية؛ بأنها "عار أخلاقي وعمل إجرامي". وقال إن هذا الوصف ينطبق بالتساوي على كامل سياسة إسرائيل في شن الحرب على نزلاء سجن غزة.

وأضاف أن حديث الجنرالات الإسرائيليين عن توغلاتهم العسكرية المتكررة في غزة بأنها "جز العشب"، تعبير مجازي يوحي بمهمة يجب تنفيذها بانتظام وبطريقة آلية ودون نهاية، وتوحي أيضا بالذبح العشوائي للمدنيين وإلحاق الضرر بالبنى التحتية المدنية التي تحتاج إلى عدة سنوات لإصلاحها.

وختم شلايم مقاله بأن "جز العشب" تعبير مبتذل مرعب، لكنه يقدم دليلا على الهدف الأعمق وراء تهرب إسرائيل المستمر من الدبلوماسية واللجوء المتكرر إلى القوة العسكرية الغاشمة ردا على كل مظاهر المقاومة المشروعة والاحتجاج السلمي على حدودها الجنوبية. وفي ظل هذا النموذج القاتم لا يمكن أن يكون هناك حل سياسي دائم، فالحرب القادمة هي دائما مسألة وقت.

المصدر : غارديان