المغرب.. أخلاقيات الصحافة على المحك

هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

المغرب.. أخلاقيات الصحافة على المحك

لقطة من الحوار الصحفي مع طفلة تحكي تفاصيل قتل والدتها المروع (مواقع تواصل)
لقطة من الحوار الصحفي مع طفلة تحكي تفاصيل قتل والدتها المروع (مواقع تواصل)
سناء القويطي-الرباط
 
أمام ميكروفون وعدسات كاميرا، تحكي طفلة في الثامنة من عمرها كيف عثرت على رأس والدتها مفصولا عن جسدها قرب البيت، وتصف كيف حملته بيدها. تسألها الصحفية عن تفاصيل الحادث المرعب، فتجيب الطفلة الصغيرة بوجه جامد تغيب عنه أي معان.

خلّف الفيديو الذي نشره أحد المواقع الإلكترونية صدمة كبرى لدى المغاربة، في حادثة لا تقل فظاعة عن جريمة ذبح الأم وفصل رأسها عن جسدها، وهي جريمة هزّت الرأي العام الذي تضامن بشكل واسع مع أسرة القتيلة. 

واستهجن رواد منصات التواصل الاجتماعي وإعلاميون كتبوا عن الحادثة مقالات بالصحف، إجراء لقاء صحفي مع طفلة قاصر، ودفعها لتحكي تفاصيل ما عاينته دون مراعاة حالتها النفسية وسنها في عمر الزهور.

وبعد الضجة التي أثارها الفيديو، اعتذر مدير الموقع الإلكتروني عما أسماه خطأ غير مقصود، وحذف الفيديو. وقال في تدوينة "نشر الفيديو قبل اطلاعي عليه، ومباشرة بعد مشاهدتي له أمرت بحذفه لأنه غير مقبول أخلاقيا ومذموم مهنيا وصادم إنسانيا".

وقبل أن تهدأ موجة استنكار اللقاء مع الطفلة، نشرت مواقع إخبارية تقارير مصورة للحظة اعتقال شخص بعد تسببه في حادثة سير وكان يرتدي ملابس نسائية. ورأى حقوقيون في نشر صور الموقوف بوجه مكشوف تشهيرا وانتهاكا لخصوصيته.


هذه "التجاوزات" اعتبرها كثيرون جزءا من الفوضى التي يعرفها قطاع الصحافة الإلكترونية، داعين إلى الالتزام بأخلاقيات المهنة واحترام حقوق الإنسان والطفولة.
 
انفجار إلكتروني
واستنكر رئيس منتدى الصحافيين الشباب سامي المودني لهاث بعض المواقع الإلكترونية على الإثارة دون مراعاة أخلاقيات المهنة وقواعد العمل الصحفي. وعزا تلك "التجاوزات" إلى ما أسماه الانفجار الإلكتروني أو الثورة الرقمية في المغرب التي حولت الصحافة إلى "مهنة من لا مهنة له".

وتشير التقديرات إلى وجود ما بين 3500 و5000 موقع محلي وجهوي ووطني، حسب تصريحات لوزير الاتصال محمد الأعرج سنة 2016.

ووضع القانون الجديد للصحافة والنشر مجموعة من الشروط يفترض توفرها في الصحف الورقية والإلكترونية، من بينها اشتراط أن يكون مدير نشرها حاصلا على شهادة البكالوريوس على الأقل أو شهادة متخصصة في الإعلام، وأن يتوفر على صفة صحفي مهني.

وحتى مارس/آذار 2018، بلغت عدد المواقع الإلكترونية التي لاءمت وضعيتها القانونية مع ما نص عليه القانون الجديد حوالي 656 موقعا، وفق بلاغ لوزارة الاتصال.

وعلى الرغم من إقراره بأن تعدد المواقع مسألة إيجابية حين يتعلق الأمر بحرية التعبير، فإن المودني لفت إلى أن بعض العاملين في هذه المواقع لا يمتلكون آليات الممارسة المهنية، بل يشتغلون بأسلوب المدونين.
 
ميثاق الأخلاقيات
ويرى المودني ضرورة فتح حوار وطني وعدم السكوت عن هذه التجاوزات المسيئة لمهنة الصحافة. وللخروج من هذا الوضع، أكد  على أهمية تكوين الصحفيين في مجال أخلاقيات المهنة التي لا تنفصل بحسبه عن مبادئ حقوق الإنسان، ومن بينها احترام قرينة البراءة وعدم التحريض على العنف والإرهاب والعنصرية وعدم التشهير.
 

ولفت إلى أن تربية المواطن على التعامل مع وسائل الإعلام بطريقة نقدية ستجعله يميز الأخبار الكاذبة عن غيرها، وستمكن من محاصرة المواقع اللامهنية.

ودعا المودني إلى تنظيم ذاتي للمهنة، مشيرا إلى انتخاب المجلس الوطني للصحافة في يونيو/حزيران الماضي ومن مهامه الأساسية وضع ميثاق أخلاقيات الصحافة والنشر، الذي يعد أيضا واحدا من التدابير الإجرائية في خطة العمل الوطنية لحقوق الإنسان.

هذا الميثاق لن تكون له فائدة في نظر رئيس منتدى الصحافيين الشباب إلا إذا تم إعداده وفق مقاربة تشاركية تنخرط فيها النقابات والجمعيات المهنية والجمعيات الحقوقية وممثلو الناشرين. 
 
تحكيم وتكوين
وأكد رئيس المجلس الوطني للصحافة يونس مجاهد أن المجلس يعمل على إعداد ميثاق أخلاقي يستحضر الإشكالات المطروحة في الممارسة الإعلامية، وسيطلق مشاورات بشأنه مع المهنيين وشخصيات لها خبرة في المجال.


وأضاف للجزيرة نت أن القانون أعطى للمجلس دورا تحكيميا فيما يتعلق بالتجاوزات المهنية والمس بأخلاقيات الصحافة، ونص على عقوبات تأديبية تتراوح بين التنبيه والتوبيخ وسحب البطاقة والغرامة ووقف الدعم.

وبحسب مجاهد فإن الأولوية لا ينبغي أن تكون للزجر والتأديب، بل لإطلاق دورات تكوينية متخصصة للصحفيين وتنظيم أيام نقاش وطنية وجهوية.

ويعتقد رئيس المجلس أن نشر صور قاصرين مثلا أو صورا حميمية تنتهك خصوصية الأفراد في بعض المواقع لا يكون دائما بقصد أو سوء نية، إنما سببه -كما يرى- ضعف التكوين القانوني والمهني للصحفيين، وانشغالهم بنشر الخبر وإيصال المعلومة بسرعة على غيره من حقوق باقي الأطراف.
المصدر : الجزيرة