سيناريوهات المشهد السوداني.. كيف هزت ثورة الشباب نظام البشير؟

الجزيرة نت-خاص

لأول مرة منذ ثلاثين عاما يجد نظام الرئيس السوداني عمر البشير نفسه في مواجهة أزمة وجودية غير مسبوقة، فبعد سنوات من نجاحه في تشتيت المعارضة المدنية وإلى حد ما "إخماد" التمرد وجد نفسه أمام نوع جديد من المعارضة لم يحسب لها حسابا، إنهم الشباب.

يعتبر السودان من الدول الشابة وفق تقديرات الأمم المتحدة، حيث تبلغ نسبة الشباب نحو 55.6% من مجموع السكان البالغ نحو أربعين مليون نسمة حسب تقديرات الجهاز المركزي للإحصاء في السودان لعام 2017.

وترعرع أغلب الشباب الذين خرجوا إلى الشارع منذ 19 ديسمبر/كانون الأول الماضي في ظل حكم البشير ووقفوا مع النظام منذ بداية "مشروعه الحضاري" القائم على الشريعة الإسلامية، وكانوا ظهيره في حرب الجنوب طوال العشرية الأولى للحكم وبحروب لاحقة في دارفور وغيرها.

كان النظام قبل انشقاق الحركة الإسلامية الشهير في عام 1999 وما تلته من خلافات يحظى بقبول شعبي كبير مكنه من مواجهة الكثير من التحديات العسكرية والاقتصادية، خاصة أن البلاد قبل الانقلاب بقيادة البشير عام 1989 كانت غارقة في أزمة اقتصادية طاحنة وتراجع عسكري كبير أمام التمرد بالجنوب.

منح استخراج النفط من الجنوب وتدفق الموارد تدريجيا اعتبارا من يونيو/حزيران 1999 النظام جرعة استقرار سياسي -حسب ما يقول معارضوه- استطاع من خلالها امتصاص تداعيات خروج زعيمه الدكتور حسن الترابي الذي وجد نفسه مبعدا وسجينا من تلاميذه الذين استبدت بهم السلطة وغشيتهم مظاهر الثراء فظهرت مراكز القوى في الواجهة كسند سياسي للبشير وحزبه المؤتمر الوطني وبقي الترابي وحزبه في قائمة المعارضين حتى قبيل وفاته في الخامس من مارس/آذار 2016.

ثمن الثورة
مع ثورة التعليم وافتتاح العديد من الجامعات والكليات المتخصصة التي بلغ عددها نحو 88 خلال سنوات الإنقاذ تخرج آلاف الشباب في تخصصات متنوعة لم يكن سوق العمل الذي تسيطر عليه الحكومة وبعض المحسوبين عليها في القطاع الخاص قادرا على استيعابها فوجد الآلاف منهم أنفسهم قيد الانتظار في قبضة واقع اقتصادي واجتماعي صعب.

وكان تركيز النظام خلال السنوات الأخيرة قبل وبعد انفصال الجنوب في 2011 (تاريخ اندلاع الربيع العربي) على استقطاب حاملي السلاح في حروب الجنوب والغرب، فقدمت لهم العروض السخية واستوعبوا في الوظائف الحكومية على حساب الشباب الذين كان عليهم الانتظار لوقت إضافي غير محدد دون أن يكترث لهم أحد، فانخرط بعضهم في مهن هامشية وبقي معظمهم بقوائم العاطلين الذين شكلت مواقع التواصل ملاذهم الوحيد بعد أن واجهت السلطات مظاهراتهم في الشارع بالقوة كما حدث في ديسمبر/كانون الأول 2013 حيث قتل نحو مئتي متظاهر بحسب منظمات حقوقية، في حين اعترفت الحكومة بمقتل ثمانين متظاهرا وجرح عدد آخر.

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة النيلين الدكتور عوض أحمد سليمان أن من المفارقات أنه في ظل تصاعد وتفاقم الأزمة السودانية التي هي في جوهرها اقتصادية فإن الصرف والتكاليف المادية على القمع والاحتواء من قبل النظام يقضيان علي أي أمل في توفير وظائف لجموع الشباب المحتجين.

نشاط مواقع التواصل
على مدى السنوات الأخيرة نمت حركة معارضة قوية على مواقع التواصل الاجتماعي كان النظام مرتاحا لها باعتبارها تنفيسا يمتص خطر انفجار شبابي في الشارع، لكن وعلى غرار الربيع العربي تحولت الموجة الثورية الافتراضية إلى فعل على الأرض تبنته قوى مجهولة عرفت بتجمع المهنيين لم تستطع السلطات معرفة هويتها، مما دفعها لاتهام عبد الواحد نور أحد قادة التمرد في دارفور والشيوعيين بتدبيرها، وهو ما أثار موجة سخرية واسعة ضد النظام في منصات التواصل الاجتماعي.

يقول محمد الطيب -وهو خريج قانون وعاطل عن العمل منذ تخرجه قبل ثلاث سنوات- إن اتهام عبد الواحد والشيوعيين بتدبير ما يجري كذبة مضحكة لا يصدقها حتى النظام نفسه وتدل على ما سماها حالة الإرباك التي وجدوا أنفسهم فيها.

ويضيف "ألم يقولوا إنهم هزموا عبد الواحد وقضوا على قواته"، مؤكدا أن الشباب فقدوا الثقة في هذا النظام، ولم يعد لديهم خيار سوى الخروج إلى الشارع لإحداث التغيير بأنفسهم مهما كان الثمن.

وحي الربيع العربي
كانت قوة ثورات الربيع العربي تكمن في قدرتها على توظيف وسائل التواصل الاجتماعي في الفعل الثوري وإيجاد قيادة أفقية يصعب على السلطات ملاحقتها واعتقالها كما تفعل مع المعارضات التقليدية، وهو ما استفاد منه الشباب في السودان.

أغلب المشاركين في المظاهرات من فئة الشباب الذين يشكلون نحو نصف سكان السودان (الجزيرة)

ويحذر نشطاء عرب على مواقع التواصل نظراءهم السودانيين من الوقوع في الأخطاء نفسها التي قوضت الربيع العربي في دول عربية أخرى، ومنها السماح لأطراف خارجية وتنظيمات سياسية باختراقهم.

حتى الآن فشلت كل محاولات الحكومة في السيطرة على هذا الشبح الافتراضي المسمى تجمع المهنيين الذي كان يحدد زمان ومكان المظاهرات فتخرج في التوقيت ذاته وبالشعارات ذاتها التي يعلنها.

هذا التنظيم وتبني نهج السلمية وسقوط ورقة الشيوعيين بعد انضمام المساجد وتأييد بعض أئمتها للشارع هو الذي أزعج النظام كما يقول الباحث في مجال العلوم الاجتماعية عبد المنعم أحمد، وأجبر الرئيس البشير نفسه على الانخراط في جولات مكوكية داخلية وخارجية مرهقة لم يعرف الكثير من تفاصيلها.

ومع دخول ما يسميها الشباب الموجة الثورية ذات النشاطات المتنوعة من مظاهرات واعتصامات شهرها الثاني يجد النظام نفسه تحت الضغط المستمر والإرهاق الأمني في بلد مترامي الأطراف مثل السودان.

وكان النظام يعتبر أن أسباب خروج الشباب وغيرهم هو ثلاثي الضائقة الاقتصادية: الخبز والوقود والنقود، لكن استمرار الاحتجاجات حتى بعد انفراج الأزمة النسبي يعني أن مسببات أخرى تقف وراء الحراك الذي تبنى شعارا بسيطا ألا وهو "تسقط بس"، ويقصد به سقوط النظام وإزاحته.

 الرئيس السوداني (يسار) اتهم أثناء زيارته الأخيرة لمصر جهات لم يسمها بمحاولة إعادة إنتاج ربيع عربي في بلاده (الأوروبية)

ويكشف اتهام الرئيس البشير من القاهرة جهات -لم يسمها- بالسعي لإعادة إنتاج ربيع عربي في السودان إدراكه أن ما يجري ليس مجرد غضب عابر على الغلاء بل هو حراك فعلي يهدد حكمه.

المخرج من الأزمة
ينادي هؤلاء الشباب بالحرية والعدالة والسلام في بلد فشل النظام فيه من وجهة نظرهم في محاربة الفساد والمفسدين وإتاحة الحريات بما يضمن تداولا سلميا للسلطة بعد ثلاثين عاما من حكم رجل واحد يتطلع إلى فترة رئاسية جديدة يتم لأجلها تعديل الدستور.

قد لا تنجح هذه الثورة الشبابية من وجهة نظر بعض المحللين في إسقاط النظام فورا لعوامل إقليمية ودولية، إلا أن ارتداداتها هزت النظام بقوة واستطاعت أن توصل رسالتها التي تقول إن على النظام إيجاد مخرج آمن يجنب البلاد مآلات مدمرة هو نفسه يحذر منها.

تقول سهير عثمان -وهي طالبة جامعية لا تنتمي لحزب سياسي- إن النظام إذا أراد النجاة بنفسه وإنقاذ البلاد عليه تبني "هبوط ناعم" يبدأ بإعلان خريطة طريق للإصلاح قابلة للتصديق لا تكون على غرار الحوار الوطني الذي فشل -من وجهة نظرها- في تحقيق التحول المطلوب، أولها تخلي البشير عن إعادة ترشيح نفسه وعدم تعديل الدستور والاتفاق مع القوى السياسية على مخرج آمن للبلاد وإلا تحقق -إن لم يكن اليوم ففي الغد القريب- شعار "تسقط بس".

المصدر : الجزيرة