بعد حديثه عن حقوق الإنسان.. هل سعى السيسي لإحراج ماكرون؟

ماكرون أكد أنه ناقش مع السيسي ضرورة احترام حقوق الإنسان وحريات التعبير (وكالة الأناضول)
ماكرون أكد أنه ناقش مع السيسي ضرورة احترام حقوق الإنسان وحريات التعبير (وكالة الأناضول)

عبد الكريم سليم-القاهرة

شهدت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لمصر مؤخرا جملة مؤشرات تنبئ بعدم الترحيب به في القاهرة، مقارنة بما جرى مع الرئيس السوداني عمر البشير.

فالرئيس عبد الفتاح السيسي لم يستقبل ماكرون في المطار كما اعتاد أن يفعل مع مسؤولين أقل منه في مستوى التمثيل السياسي.

كما تجاهلت وسائل الإعلام المصرية تماما إبراز زيارة ماكرون، بل عمدت في المقابل إلى التركيز على أخبار مظاهرات أصحاب السترات الصفراء، وإعادة بث مواد أرشيفية عنها.

وربط محللون بين هذه الأجواء وبين تصريحات ماكرون التي استبقت الزيارة، وألمح خلالها إلى أنه سيحث السيسي على احترام حقوق الإنسان وحريات التعبير.

وخلال المؤتمر الصحفي الذي جمع الرئيسين، ظل ماكرون لدقائق يحاول أن يستهل كلمته بلا جدوى، مع وجود تشويش على الميكروفون الذي يتحدث فيه، ثم انقطع الصوت عن صحفي فرنسي حاول طرح سؤال على الرئيسين.

وتوجه صحفيان مصريان للرئيس الفرنسي بأسئلة "محرجة"، بالإشارة لمواجهة الشرطة الفرنسية "العنيفة" لمتظاهري السترات السفراء بفرنسا، كدلالة لعدم احترام فرنسا هي أيضا لحقوق الإنسان.

حقوق الفقراء
وأكد ماكرون في تصريحاته أنه ناقش مع السيسي بالفعل ضرورة احترام حقوق الإنسان وحريات التعبير، وبدا على السيسي الضيق من تصريحاته، فقال ردا على ماكرون إنه "ينبغي النظر لحقوق الفقراء أولا" مشددا على أنه في رقبته مئة مليون مصري، وأن "مصر لن تنهض بالدفاع عن حقوق المدونين ولكن بالإنتاج".

ونفى السيسي أن يكون هناك استخدام لأسلحة فرنسية أو غيرها في قتل المتظاهرين، في حين قال ماكرون إن التحقيقات أثبتت استخدام مدرعة واحدة فقط فرنسية الصنع.

واتهم تقرير لمنظمة العفو الدولية فرنسا بالاستخفاف بالقانون الدولي باستمرارها في تصدير أسلحة تُستخدم في عمليات قمع مميتة بمصر بين عامي 2012 و2015.

وبحسب التقرير، تُعرِّض هذه السياسة فرنسا لـ "خطر الاتهام بالتواطؤ في أزمة حقوق الإنسان المستمرة في مصر".

وكانت فرنسا قد زوَّدت مصر بكميات من الأسلحة خلال الفترة من عام 2012 إلى عام 2016، تفوق ما زوَّدتها بها طوال الأعوام العشرين السابقة.

وأقرَّ مسؤول فرنسي لمنظمة العفو الدولية بأنه كان من المُزمع أن تُستخدم المعدات الأمنية الفرنسية من جانب الجيش المصري، ولكن السلطات المصرية حوَّلت وجهة بعض المركبات المُدرَّعة لكي تستخدمها قوات الأمن المركزي.

لقاء الحقوقيين
ولعل من أبرز ما أغضب النظام في زيارة ماكرون، هو لقاء الأخير بعدد من الناشطين الحقوقيين على مائدة الغداء، وبحسب حقوقيين حضروا اللقاء فإن ما شجعهم هو تصريحاته التي كشف فيها عن دعمه لحقوق الإنسان بمصر.

وشهد لقاء ماكرون وحقوقيين مصريين مناقشة وضع الإعلام وحرية التعبير، وخلص إلى أن الصحافة بمصر تعاني انعدام المهنية والتضييق، مما دفع الصحفيين للهجرة والعمل في مؤسسات صحفية دولية.

وبث الحقوقيون لماكرون خيبة أملهم من بلد الحريات فرنسا، لا سيما بعد تصريحات ماكرون منذ شهور بأنه ليس له شأن بأوضاع مصر الداخلية.

وفند الحقوقيون تصريحات السيسي بالقول إنه لا تناقض بين محاربة الإرهاب واحترام حقوق الإنسان وسيادة القانون، وأن القمع الراهن يطال الجميع إسلاميين وغيرهم، وألمحوا إلى أنه عقب حديث ماكرون بساعات جرى اعتقال ناشطين وسياسيين.

وفي بيان لمركز القاهرة لحقوق الإنسان، فقد أكد مديره بالقاهرة محمد زارع للرئيس الفرنسي أهمية أن يكون ملف حقوق الإنسان حجر الزاوية في بناء العلاقات بين البلدين، وليست المكاسب المادية التي تجنيها فرنسا من صفقات السلاح المبرمة مع نظام قمعي يستخدم هذه الأسلحة في انتهاكات حقوقية يومية غير مسبوقة تغذي تيارات العنف والانتقام، وتسحق كل منابر الحوار الحر وتئد المعارضة.

ولفت زارع إلى أن 31 من الحقوقيين ممنوعون من السفر، ويواجهون خطر السجن لفترة طويلة قد تزيد على 20 عاما، مطالبا المجتمع الدولي بالتصدي لأي محاولة لتعديل الدستور المصري لتمديد فترة الرئاسة، وأن يتأملوا ما آلت إليه الأوضاع عام 2011 بسبب عدم رغبة نظام مبارك ترك السلطة بالوسائل السلمية المتعارف عليها في الدول الديمقراطية.

بلا جدوى
ويلاحظ الصحفي المصري المقيم بفرنسا أحمد الشيخ أن إثارة ملف حقوق الإنسان في مصر خضع لنوع من الترتيب المسبق بين الجانبين.

واستشهد الشيخ على ذلك بالطريقة التي جرى بها إخراج المؤتمر الصحفي بين الرئيسين حيث تم تكليف اثنين من الإعلاميين المشهود لهم بالولاء المطلق لنظام السيسي بطرح أسئلة مبرمجة تسير في خطة ما أطلقت عليه صحيفة ليبراسيون فيما بعد "حوار الطرشان" أي أن يقول ماكرون ما يريد ويقول السيسي ما يريد، ثم توقع الشراكة الإستراتيجية كما يراد لها.

ويتوقع أن يحصل السيسي في نهاية المطاف على دعم واضح كثمرة لزيارة رئيس دولة بحجم فرنسا له ودون أن يقدم تنازلات حتى ولو شكلية في ملف حقوق الإنسان مثل الإفراج عن بعض المعتقلين.

ويبدي رئيس اللقاء المصري في أوروبا أحمد سالم تشاؤما إزاء وقوع متغيرات في وضع حقوق الإنسان في مصر بعد تصريحات ماكرون، مؤكدا أنها مجرد تصريحات للاستهلاك المحلي الفرنسي لكف ضغوط المجتمع المدني الفرنسي، وخاصة في ظل الظروف التي تمر بها بلاده.

 وأرجع سالم في حديثه للجزيرة نت هذا "الفشل" لعدم وجود من يستثمر هذه المواقف ويوظفها لتخفيف الضغط في الداخل أو على الأقل تحسين أوضاع المعتقلين وتوفير محاكمات عادلة لهم، "فما زالت حدودنا لا تتجاوز التناول الإعلامي لأيام ثم ينتهي الأمر".

بالمقابل تؤكد عضو لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان المصري غادة عجمي أن الاهتمام بحقوق الإنسان ينبغي أن يشمل كذلك أسر شهداء الجيش والشرطة الذين أنفقت عليهم الدولة، كما يشمل حقوق الإنسان في الحصول على مسكن وفرصة عمل وعلاج من فيروس سي.

وألمحت عجمي إلى العفو الرئاسي عمن قاموا بالتظاهر مخالفة للقانون، دليلا على مراعاة حقوق الإنسان.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسي
الأكثر قراءة