الأزمة الخليجية حين تلقي بظلالها على كأس آسيا

مباراة قطر والإمارات في نصف نهائي كأس آسيا 2019 جاءت وسط أجواء سياسية مشحونة (غيتي)
مباراة قطر والإمارات في نصف نهائي كأس آسيا 2019 جاءت وسط أجواء سياسية مشحونة (غيتي)

عبد الله العمادي-الدوحة

في سابقة تاريخية، أقيمت مباراة كرة قدم بين فريقين خليجيين هما قطر والإمارات يوم أمس في العاصمة الإماراتية أبو ظبي، ضمن منافسات كأس آسيا 2019، وسط أجواء سياسية مشحونة بالغة التوتر والتعقيد، لتنتهي بشكل دراماتيكي صادم وحزين للفريق الإماراتي، بينما هلل للنتيجة ملايين العرب على نحو غريب غير معتاد أو مسبوق في تاريخ العلاقات العربية العربية.

قبيل بدء منافسات كأس آسيا، كانت الأجواء تبدو كأنها متجهة أو قابلة للشحن والتوتر، كأثر من آثار أو توابع أزمة حصار قطر التي زادت على ستمئة يوم، منذ أن قطعت ثلاث دول خليجية بمعية مصرية علاقاتها مع قطر في يونيو/حزيران 2017 بحجة "دعم الإرهاب" وحجج أخرى كثيرة.

ولعل من عوامل التوتر والشحن وجود الثلاثي الخليجي نفسه في النهائيات، بالإضافة إلى قطر، مما يعني أن ميدانا جديدا سيكون مهيأ لمواجهة أخرى بين دول الحصار وقطر، إضافة إلى ميادين أخرى تمت فيها مواجهات أو ما زالت قائمة!

الأزمة الخليجية ألقت بظلالها على البطولة القارية منذ البداية، حين تمت محاولة عرقلة وتعقيد دخول نائب رئيس الاتحادين القطري والآسيوي لكرة القدم رئيس اللجنة المنظمة لكأس آسيا 2019 سعود المهندي إلى أبو ظبي، ولكن ضغوط الأسرة الرياضية الآسيوية أنهت المحاولة سريعا قبل أن تتعمق أكثر.

كما أن حملات الكراهية في الإعلام الإماراتي ضد الجماهير القطرية، بالإضافة إلى تعقيدات دخولها للإمارات وعدم وجود ما يضمن سلامة وأمن هذا الجمهور في أبو ظبي، أدى إلى عزوف هذه الجماهير عن الذهاب للبطولة.

‪‬ وسائل الإعلام الإماراتية شحنت الجمهور الإماراتي ضد المنتخب القطري(غيتي)

وشاءت الأقدار أن يحدث ما كان كثيرون يترقبونه أو يتمنون حدوثه، وهو أن يواجه الفريق الإماراتي نظيره القطري، حيث خدمت النتائج تلك الأمنية، وتم الإعلان عن ميدان أو ملعب المواجهة في العاصمة الإماراتية أبو ظبي، التي يتداول الحديث في وسائل الإعلام أنها التي تم فيها -وما زال- التخطيط لتعميق أزمة حصار قطر، بالإضافة إلى أزمات عربية أخرى.

اتضحت بشكل جلي صورة العلاقة بين قطر وأبرز دول الحصار -وهي الإمارات- في الأيام القليلة التي سبقت المباراة، وتمثلت في حملات شعبية وإعلامية تدعمها أخرى رسمية، تولت عمليات شحن النفوس ضد المنتخب القطري من جهة، سواء بطرق مشروعة ومقبولة وكانت قليلة، أو تحريضية مسيئة وكانت الغالبة، مع شحن وتحفيز النفوس الإماراتية لدعم منتخبها من جهة أخرى، مما دفع كثيرا من العرب وغيرهم إلى ترقب الموقعة وكأنها معركة حربية ستقع وليست مباراة كرة قدم.

ألقت الأزمة الخليجية بظلالها فعليا هذه المرة على المباراة، حيث اعتبرها كثيرون من الطرفين مواجهة حازمة حاسمة وإن جاءت على شكل مباراة كرة قدم، ليأتي يوم الثلاثاء الفائت والنفوس القطرية مع كثير من العرب -وتحديدا كل من يتصادم مع توجهات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد في المنطقة العربية- مشدودة نحو شاشات "بي إن سبورت" القطرية، الناقل الرسمي للبطولة، فيما كانت النفوس الإماراتية متوزعة بين ملعب "محمد بن زايد" وشاشات "بي إن سبورت" أيضا.

بدأت المباراة وسارت بشكل احترافي من جانب القطريين الذين استوعبوا ما حدث قبل المباراة من حملات تشويه وشحن وتوتير، صبت كلها في صالحهم واستثمرت بالشكل الأمثل، فكان ما أراده منتخب قطر، وحدثت الدراما المنتظرة التي تمثلت في نتيجة غير متوقعة وصادمة للإماراتيين، هلل بسببها ملايين العرب ليس حبا من الغالبية في اللعبة أو جمالياتها، ولكن بغضا وكراهية واستنكارا لسياسات محمد بن سلمان ومن خلفه محمد بن زايد، وهما شريكان في كثير من أزمات عربية راهنة، لا ينكرها أي متابع موضوعي للأحداث، أو هكذا هو لسان حال الشعوب العربية.

سياسة محمد بن زايد (يمين) ومحمد بن سلمان في المنطقة كانت لها ردود فعل سلبية عند كثير من الشعوب العربية(الصحافة البريطانية)

ولتثبت المباراة -على رغم تلك الأجواء المتوترة- أن قطر ما زالت تكسب القلوب والمواقف في هذه الأزمة، وأن الرياضة ليست دوما قادرة على تجاوز ألاعيب وطيش السياسيين، إن جئنا ننظر إليها من زوايا أخرى غير زاوية التحليل الرياضي فقط.

كنا كعرب قبل الأزمة نسعد لوجود أي فريق عربي ضمن نهائيات كأس آسيا أو أي مسابقة دولية، ونحزن لخسارة أي فريق عربي. لكن واحدة من آثار أزمة الخليج الراهنة أن يحدث العكس، ليصل إلى حد أن يتمنى عرب آسيا عدم التوفيق لبعضهم بعضا، في مشهد مؤلم ومحزن يشرح باختصار الحالة العربية بشكل عام.

الحالة التي ما كان لنا أن نعايشها لولا سوء النيات واتباع النزوات وفوضى السياسات التي ما استفحلت وتعمقت إلا بعد أزمة حصار قطر، وربما كانت قبل ذلك من خلال دعم الثورات المضادة لحريات الشعوب، بدءا بانقلاب العسكر في مصر والدعم غير المحدود لهم من السعودية والإمارات، مرورا بإجهاض الثورة السورية وخلط أوراق الثورة الليبية ووصولا إلى كارثة حرب اليمن.

هي ملفات لا يمكن غض الطرف عنها أو إخفاؤها من واقعنا العربي المعيب المؤلم، حتى إن كان الحديث عن الرياضة التي صارت وللأسف من ميادين مراهقي وجهال السياسة، يسرحون ويمرحون فيها، وما زادوها هي وشعوبهم غير تخسير.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة