صحيفتان فرنسيتان: مبيعات السلاح الفرنسي لمصر دعم لمشروع استبدادي

اهتمام السيسي بالسلاح الفرنسي ليس سوى إستراتيجية لشراء صمت باريس (الأناضول)
اهتمام السيسي بالسلاح الفرنسي ليس سوى إستراتيجية لشراء صمت باريس (الأناضول)

أشارت صحيفتان فرنسيتان إلى التدهور الكبير في حقوق الإنسان في مصر والانتهاكات الخطيرة الموثقة في هذا السياق، وركزتا على بيع السلاح الفرنسي لمصر في أعقاب زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى القاهرة، واعتبرتا هذه الصفقات شراء لصمت فرنسا عن تلك الانتهاكات.

فقد قالت صحيفة لوموند إن زيارة ماكرون لمصر جاءت في وقت كانت فيه العلاقات بين البلدين ورئيسيهما على أحسن ما يرام على الرغم من الانتهاكات الخطيرة الموثقة التي قامت بها حكومة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.

وأضافت أن ماكرون برر دعمه لمصر باعتبار أن فرنسا تعتبر هذا البلد حصنا ضد الإرهاب، وذهب إلى حد القول إن "أمن هذا البلد الصديق هو أيضا أمننا الخاص".

وباسم هذه الصداقة -كما تقول لوموند- باعت فرنسا الكثير من الأسلحة لمصر، حيث بلغت قيمتها في عام 2017 وحده أكثر من 1.6 مليار دولار من المعدات العسكرية والأمنية، بما فيها السفن الحربية والطائرات المقاتلة والمركبات المدرعة وأدوات المراقبة.

الحكومة الفرنسية أذنت للشركات ببيع أنظمة مراقبة مختلفة إلى السلطات المصرية لاعتراض الاتصالات والتحكم في الشبكات الاجتماعية (أسوشيتد برس)

صمت فرنسا
من جانبها، قالت صحيفة ليبراسيون إن العلاقات التجارية بين البلدين تزدهر في مجال مبيعات الأسلحة، وأوضحت أن لذلك تأثيرا مباشرا على تدهور حالة حقوق الإنسان في مصر.

ورأت ليبراسيون أن اهتمام السيسي بالسلاح الفرنسي ليس سوى إستراتيجية لشراء صمت باريس، وأن كل شيء يدل على أن هذه الإستراتيجية ناجحة، مستدلة على ذلك بامتناع ماكرون عن نقد حالة حقوق الإنسان المزرية في مصر أثناء زيارته لها عام 2017 حين قال إنه لم يأت ليقدم دروسا إلى أحد، بل إنه يملك "عقودا"، وذلك بعد إبرام عقود في مجال الدفاع، حسب وصف الصحيفة.

وفي هذا السياق، نبهت لوموند إلى أن ما غاب عن ماكرون هو أنه برفضه "إعطاء الدروس" يعني أن فرنسا تؤيد بشكل مباشر الانتهاكات ولا تحترم التزاماتها الدولية فيما يتعلق بلوائح مبيعات الأسلحة التي تحظر للبلدان التي يوجد فيها خطر كبير.

وقالت لوموند إنه ليس من الكافي أن تزعم السلطات الفرنسية أنها أصدرت تراخيص للمعدات العسكرية فقط في سياق "مكافحة الإرهاب" في مصر، بل يجب عليها ضمان مراقبة استخدام هذه الأسلحة والمعدات.

وأكدت لوموند أنه ليس هناك ما يشير إلى أن فرنسا أوقفت عمليات نقل الأسلحة عندما أصبح من الواضح أن مصر قد حولت استخدامها، حيث تقول تقارير منظمة العفو الدولية إن "السيارات الفرنسية كانت أدوات للقمع، ولعبت دورا نشطا للغاية في سحق المعارضة".

يضاف إلى ذلك أن الحكومة الفرنسية أذنت للشركات ببيع أنظمة مراقبة مختلفة للسلطات المصرية لاعتراض الاتصالات والتحكم في الشبكات الاجتماعية، واستخدمت هذه الأنظمة لاستهداف حقوق الإنسان والناشطين السياسيين والأكاديميين، حسب لوموند.

ليبراسيون: القمع في مصر أصبح موجها ضد أي رأي مخالف لسلطة تنجرف بشكل متزايد نحو الاستبداد (الفرنسية)

ذريعة كاذبة
وقالت ليبراسيون إن مبيعات الأسلحة يعتبرها البلدان رسميا جزءا من "الشراكة المميزة" التي تربطهما باسم مكافحة الإرهاب، موضحة أن أي شخص مهتم بالوضع الداخلي المصري لا يرى فيها سوى "ذريعة كاذبة"، خاصة أن القمع أصبح موجها ضد أي رأي مخالف لسلطة تنجرف بشكل متزايد نحو الاستبداد.

وذهبت لوموند إلى أن ما تدعيه فرنسا من أن السيسي ضروري لمكافحة الإرهاب غير مقنع على الرغم مما تواجهه مصر من تمرد خطير في شمال شبه جزيرة سيناء، لأن الطريقة التي تحارب بها قوات الأمن المصرية هي نفسها مثال على الانتهاكات التي لا تقف عند العنف ضد السكان، بل إنها تنفر شرائح واسعة من الذين يفترض أنها جاءت لحمايتهم.

وأوضحت الصحيفة أن فرنسا لا تبدو منزعجة مما تعده "مكافحة للإرهاب" وتغض الطرف عما يقوم به الجيش المصري والشرطة من اعتقالات تعسفية وإخفاء قسري وتعذيب وإعدام خارج نطاق القانون في شمال سيناء، كما لا تزعجها محاولتهم إخفاء تلك الانتهاكات من خلال تقييد وصول أي مراقب مستقل إلى المنطقة.

ونبهت لوموند إلى أن الدعم الفرنسي غير المشروط لمصر لا يساعد في دفع مصر إلى إعادة النظر في نهجها الحالي، خاصة أن سكان شمال سيناء لا يشعرون بالأمن على الرغم من الجهد العسكري الضخم، كما أن كثيرا من النازحين فقدوا الأمل في العودة إلى ديارهم بسبب العنف هناك.

تعزيز القمع
وقالت لوموند إن السلطات المصرية استخدمت ذريعة مكافحة الإرهاب لمهاجمة أي شكل من أشكال المعارضة، إذ لم تحظر فقط جماعة الإخوان المسلمين التي اعتبرتها منظمة إرهابية، بل حظرت جماعات علمانية مثل حركة شباب 6 أبريل التي لعبت دورا رئيسيا في المظاهرات ضد مبارك عام 2011.

وأشارت ليبراسيون إلى أن دعم الإليزيه الثابت للرئيس المصري له عواقب مباشرة على تدهور حالة حقوق الإنسان في مصر في الوقت نفسه الذي تدعم فيه صادرات فرنسا من الأسلحة وتكنولوجيات المراقبة والاعتراض والسيطرة على الحشود كل أشكال القمع.

وقالت الصحيفة إن الكثير من العقود المربحة التي تفرض صمت السلطات الفرنسية تدعم الانجراف السلطوي للرئيس المصري، مستدلة على ذلك بالعديد من الإجراءات الصارمة التي صدق عليها هذا العام لتعزيز ترسانة القمع المصرية، كقانون الجرائم الإلكترونية الذي يسمح للسلطات المصرية بحجب أي موقع إلكتروني يشكل "تهديدا للأمن القومي" وسجن من يديرونه، وكالقانون الذي يجرم نشر محتوى محدد بعبارات واسعة جدا ويسمح بالرقابة من قبل المجلس الأعلى لتنظيم وسائل الإعلام حتى أن مصر تحتل الآن المرتبة 161 من بين 180 دولة في تصنيف منظمة "مراسلون بلا حدود" بشأن حرية الصحافة.

وقبل اختتام الصحيفتين مقاليهما دعتا إلى تلبية التزامات فرنسا من حيث احترام حقوق الإنسان، ورأتا أن من واجب فرنسا أن تعلق بيع وتوريد المعدات الأمنية لمصر حتى تضع حدا للانتهاكات الخطيرة، وأن تقوم برصد فعال لاستخدام هذه المواد لضمان عدم تورطها في الجرائم الخطيرة.

ودعت الصحيفتان كذلك فرنسا إلى مراجعة سياسة الدعم غير المشروط للسلطات المصرية، والتعامل مع قضية مبيعات الأسلحة بطريقة تضمن احترام الالتزامات الدولية لفرنسا، مؤكدة أن ذلك ليس أمرا اختياريا.

وطالبت الصحيفتان البرلمان الفرنسي بلعب دوره في مساءلة السلطة التنفيذية، للحصول على المعلومات المصنفة اليوم سرية والتي ستجعل من الممكن مناقشة مبيعات السلاح ومدى شرعيتها من خلال إنشاء لجنة برلمانية دائمة لمراقبة الصادرات الفرنسية من المعدات العسكرية والمراقبة.

وختمت الصحيفتان بأنه من الواجب أن تنتهي المشاركة الفرنسية في تعزيز مشروع السيسي الاستبدادي، وأن تراعي معاناة الشعب المصري.

المصدر : الصحافة الفرنسية,الجزيرة