رسالة مفتوحة لماكرون تذكره بالقمع المروع للمصريين

ماكرون (يسار) استقبل السيسي في أكتوبر/تشرين الأول 2017 وقال إنه لن يلقي عليه محاضرة عن حقوق الإنسان والحريات المدنية (رويترز)
ماكرون (يسار) استقبل السيسي في أكتوبر/تشرين الأول 2017 وقال إنه لن يلقي عليه محاضرة عن حقوق الإنسان والحريات المدنية (رويترز)
نشر موقع "لوريون 21" الفرنسي رسالة مفتوحة إلى الرئيس إيمانويل ماكرون الذي يزور مصر سلطت الضوء على موقف باريس من تدهور أوضاع حقوق الإنسان في ظل حكم الرئيس عبد الفتاح السياسي، مستعرضا صنوف القمع ضد المعارضين المصريين.
 
وورد في الرسالة التي كتبها مدير مركز دراسات حقوق الإنسان بالقاهرة بهاء الدين حسن ونشرها الموقع مترجمة أن من غير المرجح أن يعالج ماكرون خلال زيارته الحالية لمصر ظاهرة الاختفاء القسري التي اتخذت بعدا غير مسبوق في ظل عدم اكتراث الدول التي تدعي أنها تدافع عن حقوق الإنسان.
 
وذكر كاتب الرسالة أنه متأكد من أن الرئيس الفرنسي على علم بتنديد منظمات حقوق الإنسان المصرية والدولية بشراكته مع الحكومة المصرية التي يدعم قمعها الدموي لشعبها، خاصة أنه عندما التقى في باريس بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قال إنه "لن يعطيه درسا" في حقوق الإنسان.
 
وقال إنه لا يدري إذا قال ماكرون ذلك من منطلق القناعة بأن المصريين ليسوا جديرين بممارسة هذه الحقوق كالفرنسيين، أم لأنه شعر بالذنب لهذه الشراكة المشينة في الجرائم التي ارتكبت ضد المصريين.

وأضاف أن ماكرون قد لا يدرك الشبه إلى حد التطابق بين ما يحدث في مصر وما مارسته الدكتاتوريات العسكرية في أميركا اللاتينية على مدى العقود الثلاثة الماضية من الأهوال في حق شعوبها.

شبان مصريون قامت قوات الأمن بتصفيتهم العام الماضي (الجزيرة)

قتل خارج القانون
وقارن الموقع الفرنسي بين ظاهرة "الإيجابيات المزيفة" التي كان تحدث في كولومبيا -حيث يختطف الأمن متخفيا في زي المقاتلين المدنيين ويعدمهم خارج نطاق القضاء- وبين ما يحدث في مصر ولكن بأرقام أكبر، مشيرا إلى أن عدد مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية في سيناء لا يتجاوز 1500 حسب الخبراء إلا أن المسؤولين الأمنيين يتفاخرون بقتل ستة آلاف منذ منتصف العام 2013.

وعلى خلاف ما يحدث في كولومبيا، حيث يعدم المدنيون فور القبض عليهم فإن مصر تعدمهم حتى بعد شهور من اختفائهم، متوقعة أن يكونوا عاشوا خلال تلك الفترة كالبهائم محتجزين في ظروف قاسية.

وأشار التقرير إلى إعلان الحكومة المصرية الشهر الماضي أنها قتلت أربعين متشددا مشتبها بهم في جميع أنحاء البلاد بعد يوم من انفجار حافلة تقل سياحا بالقرب من الأهرامات، دون الكشف عن أسمائهم أو عن الجماعات الإرهابية التي ينتمون إليها.

وقد اتصلت الشرطة بعائلتي اثنين من القتلى الأربعين ودعتهما للمطالبة بجثتي فقيديهما إلا أن العائلتين قالتا إن ابنيهما اعتقلا منذ عامين وكانا في عداد المفقودين أثناء احتجازهما من قبل الشرطة على الرغم من أن النيابة أمرت بالإفراج عنهما.

كما قتل 167 شخصا في ظروف مماثلة بين سبتمبر/أيلول وديسمبر/كانون الأول 2018 دون أن يكشف المسؤولون الأمنيون إلا عن أسماء ثلاثة منهم، وفق ما جاء في تقرير "لوريون 21".

وتزايدت هذه الحالات منذ الانقلاب العسكري الذي وقع في الثالث من يوليو/تموز 2013 على يد وزير الدفاع وقتها عبد الفتاح السيسي، قبل أن يصبح رئيسا بعد عام.

وورد في التقرير أيضا أن السيسي وإن كانت أولويته طحن خصومه السياسيين المسالمين فإنه لم يستثن أي طرف من حملة القمع المستمرة الذي يسميها "محاربة الإرهاب".

وأشار إلى أنه يلجأ من حين لآخر إلى تقديم "بعض النتائج الإيجابية" حتى لو كانت "مزيفة" لإسكات اعتراضات الرأي العام المصري والمجتمع الدولي على هذه الحملة الدموية التي لم يسبق لها مثيل في تاريخ مصر الحديث.

وفي مايو/أيار 2015 اكتشف المصريون أول مثال واضح على هذه الطريقة عندما أعلنت وزارة الداخلية أنها قتلت طالبا عمره 22 عاما يدعى إسلام أتيتو بتهمة إطلاق النار على الشرطة، في حين أثبتت الوثائق والشهادات الرسمية الصادرة عن الأساتذة وموظفي الجامعة أن الضحية شارك في الامتحان النهائي في الليلة السابقة لإعلان مقتله، كما أظهرت لقطات الفيديو الأمني أن رجلين طارداه بعد مغادرته الجامعة.

الضابط لا يحاكم
في يناير/كانون الثاني 2017 أعلنت وزارة الداخلية أنها قتلت عشرة من أعضاء المنظمة في تبادل لإطلاق النار، لكن بعض عائلات المتوفين كشفت عن وجود ما لا يقل عن ستة منهم في عداد المفقودين بعدما اختطفتهم قوات الأمن من المنزل أو من الشارع، وأنهم احتجزوا بمعزل عن العالم الخارجي لمدة تصل إلى ثلاثة أشهر.

وبعد تحليل اللقطات المصورة التي بثتها قوات الأمن للحادث خلص الخبراء الفنيون إلى أن الضحايا ربما يكونون ضحايا لعمليات إعدام خارج نطاق القضاء.

وبعد الانقلاب عزز السيسي سلطته وأرهب المؤسسات العامة، حيث أمّم القضاء والبرلمان ووسائل الإعلام حتى أصبح مستحيلا على أي مواطن أو مؤسسة مصرية أن تحاسبه على جرائمه ضد حقوق الإنسان.

ومن يحاول ذلك يكون قد خاطر بدفع ثمن باهظ لا يحتمل، وقد أعطى ذلك السيسي الجرأة على التعهد علانية لضباطه بأنه "إذا أوقع ضابط أو قتل المتظاهرين فلن يحكم عليه".

وقفة في روما لمنظمة العفو الدولية في إطار تحركات لكشف حقيقة مقتل ريجيني في مصر (رويترز)

جوليو ريجيني
وتطرقت الرسالة إلى موضوع الأكاديمي الإيطالي جوليو ريجيني الذي تتهم بلاده الأمن المصري بقتله، وقالت إن عائلة هذا الشاب لم تتلق أي تفسير من مصر عن اختطافه وتعذيبه ثم قتله بعد ثلاث سنوات من تعبئة الحكومة الإيطالية والبرلمان والمدعي العام والإعلام والمجتمع المدني وبدعم من المجتمع الدولي.

ومع ذلك تعتبر الرسالة أن حال أسرة ريجيني -الذي وجدت جثته ملقاة في الصحراء- أفضل بكثير من أحوال أسر أكثر من 1200 مصري في عداد المفقودين منذ عام 2013، وترفض حكومة السيسي الكشف عن مصير أي واحد منهم.

ولهذا السبب اعتمد السيسي مبكرا سياسة عدم التسامح مع منظمات حقوق الإنسان المستقلة والمدافعين عن الحريات وأخضعهم للملاحقة والاعتقال والإخفاء والإغلاق والتشهير بهم باعتبارهم "عملاء أجانب"، إضافة إلى تجميد ممتلكاتهم أو حظر السفر عليهم، أو تهديدهم بالقتل، وتقول الرسالة إن ماكرون على علم بكل ذلك.

الرسالة التي نشرها الموقع الفرنسي تعتبر أيضا الأمم المتحدة مسؤولة أخلاقيا قبل مسؤوليتها القانونية عن إجراء تحقيق دولي في هذه الفظائع التي تتكشف في مصر لمدة خمس سنوات، خاصة في ظل عدم وجود وسيلة موثوقة لإثبات الحقيقة ومحاسبة مرتكبي الأحداث المروعة.

وقالت إن مثل هذا التحقيق لن يكون ممكنا بدون دعم الدول الكبرى مثل فرنسا، مشيرة إلى أن ماكرون سيجتمع مع المدافعين عن حقوق الإنسان لدقائق عدة خلال زيارته لمصر، وأنه يتوهم أن ذلك سيطهر يديه من شراكته مع مصر في اغتيال وقمع الشعب المصري.

المصدر : الصحافة الفرنسية