لوموند: الصحافة.. تاريخ من الازدراء وعدم الثقة

الكاتب: الصحافة تواجه في كل مرحلة من تطورها بعض الانتقادات المتكررة (رويترز)
الكاتب: الصحافة تواجه في كل مرحلة من تطورها بعض الانتقادات المتكررة (رويترز)

يقول تحقيق نشره الكاتب جان بابتيست دو مونتفالون في صحيفة لوموند الفرنسية إن هناك شكلا من أشكال الازدراء وعدم الثقة المزمن الذي رافق الصحف منذ أمد بعيد، وإنه امتد إلى الشبكات الاجتماعية في الوقت الراهن.

ويشير الكاتب إلى ما يعتبره التأسيس الرسمي للصحافة في العام 1631، حين قرر ملك فرنسا إنشاء أول دورية فرنسية كانت تصدر أسبوعيا وكانت بمثابة لسان القصر، وذلك قبل أن تتحول في عام 1762 إلى لسان حكومة الملك بشكل رسمي.

ويرى الكاتب أن الصحافة ولدت في هذا التاريخ، وأن "خطيئتها الأزلية" ولدت معها، وهي كونها -حسب المؤرخ كريستيان دلبورت- "سلطة مضادة تعتمد كليا على السلطة".

وينسب الكاتب إلى مدير تحرير لوموند السابق توماس فرنزي القول "تواجه الصحافة الفرنسية بانتظام التهم نفسها التي لم تتوقف عندما أصبحت المهنة في نهاية القرن التاسع عشر أكثر احتراما، وإنه حتى في القرن العشرين لم تتم مراجعة تلك الأحكام، بل بقيت الصحافة موسومة بتجربة الماضي الطويلة".

 الصحفيون الذين غطوا المظاهرات تعرضوا للتهديد والاعتداء الجسدي من الشرطة وأصحاب السترات الصفراء على حد سواء (الأناضول)

التهديد والاعتداء
وفي تحقيق لوموند، يقول الكاتب إن الصحافة في بداية القرن الحادي والعشرين ما زال ينظر إليها بالطريقة ذاتها التي نظر إليها بها أهل القرون السابقة، مشيرا إلى أن الصحفيين لم يتعرضوا للنقد في الأسابيع الأخيرة فحسب، بل تعرض العديد من أولئك الذين غطوا المظاهرات للتهديد والاعتداء الجسدي من جانب الشرطة حينا ومن قبل أصحاب "السترات الصفراء" حينا آخر.

ويشير الكاتب إلى أن الصحافة كانت في البداية موجهة للنخب فقط، وإلى أن انتقادها بدأ أيضا على أيديهم، فهي لم تكن بالنسبة لفلاسفة عصر التنوير سوى انعكاس شاحب لسطح المعرفة.

ويشير إلى قول فولتير المتمثل في أنه "يجب أن يكون الصحفي متعلما وصادقا ونزيها وبسيطا وذا أسلوب سليم. وهو ما يعني أن الصحفي الجيد نادر جدا".

الصحافة والسلطة
ويرى الكاتب أن الصحافة في مرحلة معينة اختلطت مع السياسة والكتابة، حتى لم يعد أحد يميز بين الكاتب والسياسي والصحفي، ضاربا مثالا بإيميل دو جيراردان الذي أسس صحيفة أثرت في تاريخ المهنة، لكنه في الوقت نفسه كان نائبا في البرلمان.

لوموند: الصحافة تواجه في كل مرحلة من تطورها بعض الانتقادات المتكررة (رويترز)

الصحافة صناعة
ويقول الكاتب "مع أن الكتاب أحيانا يصبحون صحفيين، فإن ذلك لا يمنعهم من استهداف الصحف"، مستشهدا بالكاتب الشهير أونوري دو بلزاك الذي كان حادا، حيث يقول إن "الصحفي يرى كل ما هو محتمل صحيحا"، ويضيف "إذا لم تكن الصحافة غير موجودة، فلا ينبغي اختراعها".

ويرى كاتب التحقيق أن الصحافة تتمتع بسمعة سيئة لأنها لا تقدم دائما ما يتوقعه المرء، وأنه من الثابت أن من ينتقدونها يعبرون، في معظم الأحيان عبر الصحف نفسها، عن استنكار لما يصدر فيها.

ويشير التحقيق إلى أن الصحافة تواجه في كل مرحلة من تطورها بعض الانتقادات المتكررة، وإلى أن من بينها التواطؤ مع السلطة والتسرع في نقل المعلومات، خاصة حين أصبحت الصحافة صناعة مع التلغراف والشبكات الاجتماعية والتغيرات التكنولوجية.

ويضيف أن الصحافة أصبحت تدريجيا وظيفة بدوام كامل، وانفصلت عن السياسة والأدب، ولكن قضايا الفساد قوضت هذه الطفرة، وكشفت عن فساد صحفيين وتواطؤهم مع السياسيين.

الكاتب: هناك شكوك بتواطؤ مريب للصحافة مع الدوائر الاقتصادية والمالية (رويترز)

فضائح مدوية
وينسب الكاتب إلى المؤرخ مارك مارتين القول إنه مع أن "أموال أصحاب الأعمال هي التي تحافظ على وجود الصحافة في السر"، فإن فضيحة بنما في أواخر القرن التاسع عشر وتسريب المبالغ المدفوعة للصحف الباريسية من طرف حكومة القيصر إبان القروض الروسية كانت من أسوأ ما لوث الصحافة.

ويقول الكاتب إن "غسيل الدماغ" أثناء الحرب العالمية الأولى قد طعن بشدة في موثوقية الصحافة، مما أدى إلى "طلاق بائن وقتها بين الرأي العام ووسائل الإعلام الرئيسية"، خاصة وأن الحرب من جديد "كشفت النقاب عن شكل من أشكال التواطؤ بين الصحف والسلطة".

ويشير التحقيق إلى الشك الذي حوّل وسائل الإعلام الرئيسية، المتمثل في تركّزها في أيدي رجال أعمال أثرياء اشتروها، مما يشير إلى تواطؤ مريب للصحافة مع الدوائر الاقتصادية والمالية.

ويقول الكاتب إن الصحافة لا تزال تجر وراءها الإرث الثقيل لماضيها وسيلا من النقد الموجه إليها، مما يؤثر على وسائل الإعلام التي تواجه أكبر صعوبة في استعادة الثقة التي تستمر في التدهور.

ويختم الكاتب تحقيقه بقول الصحفيّة كارولين ريمي "مهنتنا جميلة وضرورية، ولكن في الحدود التي نصنع بها ذلك، فلنقاوم سلطة المال التي تظلمنا ولنقاوم رغبات الناس ولنقاوم مديري الصحف ولنقاوم أنفسنا من التشوهات المحتومة الناتجة عن الرغبة في النجاح والتي تقود إلى بعض التجاوزات".

المصدر : الجزيرة,لوموند