صورة تلخص ثورة.. السيسي امتلك مفاتيح الحكم منفردا

السيسي مع عدد من الشباب الذين ارتبطت أسماؤهم بثورة 25 يناير (الصحافة المصرية)
السيسي مع عدد من الشباب الذين ارتبطت أسماؤهم بثورة 25 يناير (الصحافة المصرية)

محمود صديق-القاهرة

وكأنها صورة تجمع متسابقين قبل بدء المسابقة التي ينبغي أن تنتهي بفائز واحد، التقطت عام 2011 وانتهت بانفراد الفائز وخروج كل اللاعبين على مراحل بطرق مختلفة، فمنهم من اختار الخروج ومنهم من أجبر عليه ومنهم من استعان به الفائز حتى آخر مرحلة في السباق ثم أطاح به فور التأكد من وصوله إلى خط النهاية.

بعد الإطاحة بمبارك وإجباره على التنحي في 11 فبراير/شباط 2011، كان أعضاء المجلس العسكري يدركون قوة شباب الثورة على الأرض، وكان الشارع المصري يعرف رموز شباب الثورة ولا يعرف من أعضاء المجلس العسكري سوى وزير الدفاع وقتها حسين طنطاوي ورئيس أركانه سامي عنان.

وراح المجلس الذي فوّضه مبارك بإدارة شؤون البلاد ينظم سلسلة اجتماعات مع مختلف القوى السياسية والشبابية، لدراسة خيارات المرحلة الانتقالية عقب التنحي في ظل مطالب الثوار في ميدان التحرير (وسط القاهرة) التي اشتعلت منذ الأيام الأولى، وكان أعضاء المجلس العسكري يغازلون الشباب في بياناتهم الرسمية ويحرصون على التقاط الصور معهم وإرسالها إلى المحررين العسكريين في الصحف لنشرها.

حكاية صورة
وفي تلك الفترة، حرص مدير جهاز المخابرات الحربية اللواء عبد الفتاح السيسي، ورئيس هيئة التنظيم والإدارة اللواء محمود حجازي، على التقاط صورة أمام فندق الماسة (المملوك للجيش) مع عدد من شباب الثورة، وهم: وائل غنيم وخالد السيد وعمرو سلامة ومحمد عباس وأحمد ماهر وعبد الرحمن سمير ومحمود سامي وأسماء محفوظ.

صورة نشرت ومرت دون أي تعليق حتى أعاد نشطاء -في أكتوبر/تشرين الأول 2014، بعد أشهر من إعلان السيسي رئيسا للبلاد- نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، حين رأوا السيسي يسير ومعه جوقة الإعلام في اتجاه تسمية ثورة يناير بالفوضى، ليذكروه بتلك الصورة.

الصورة التي أفزعت المجلس العسكري لدرجة إصداره بيانا يوضح وقت وظروف التقاطها، تختصر إلى حد كبير مراحل الثورة المصرية منذ التنحي، وحتى انفراد السيسي تماما بالسلطة.

فكثير ممن في الصورة اقتربوا من المجلس العسكري بوصفه "حامي الثورة"، إلى أن افترقت بهم الطرق عند أحداث 8 مارس/آذار 2011، بعدما هجمت قوات الشرطة العسكرية على ميدان التحرير وفضت اعتصام الشباب بالقوة، لانضمام ضباط من القوات المسلحة إلى الثوار في الميدان، ثم أحداث ماسبيرو وشارع محمد محمود التي سقط فيها الكثير من الشباب برصاص قوات الجيش والشرطة نهاية العام.

ووقف معظم الشباب وقتئذ مع مرشح جماعة الإخوان المسلمين للرئاسة محمد مرسي، ضد رغبة المجلس العسكري وفلول نظام مبارك الذين رغبوا في إيصال رئيس الوزراء الأسبق أحمد شفيق إلى سدة الحكم.

وما لبث الشباب أن عارضوا مرسي المنتخب، والتقت رغباتهم مع العسكر والفلول، ووجد فيهم المخططون لمظاهرات 30 يونيو/حزيران 2013 الجسر الذي عبروا به إلى ميدان التحرير الذي لم يكونوا ليدخلوه إلا من خلال هؤلاء الشباب وما يمثلونه من تيارات وحركات.

وبعد أن تخلص الجميع من حكم الإخوان، بدأ الإعلام المتماهي تماما مع النظام الجديد بتخوين الثوار، وبمساعدة بعض من الثوار الذين حافظوا على تحالفهم مع النظام الجديد خوفا أو طمعا.

أحمد دومة خلال إحدى جلسات محاكمته (رويترز)

مقصلة الثورة المضادة
ودارت الأرض دورتها، وأصبح الذين تسابق نحوهم أعضاء المجلس العسكري -والسيسي نفسه- أعداء للنظام، لا تغمض له عين حتى يختفوا من أمام الأعين. فسن قانون التظاهر الذي حبس بموجبه مؤسس حركة 6 أبريل أحمد ماهر، وزملاءه علاء عبد الفتاح ومحمد عادل وأحمد دومة الذي حكم عليه مؤخرا بالسجن المشدد 15 عاما وغرامة ستة ملايين جنيه (نحو 330 ألف دولار) في إعادة محاكمته في القضية المعروفة باسم أحداث مجلس الوزراء.

قضى أحمد ماهر عقوبة السجن ثلاث سنوات وخرج مطلع عام 2017، ولكن عليه تنفيذ مراقبة تكميلية لمدة مماثلة يضطر فيها لتسليم نفسه يوميا لقسم الشرطة من السادسة مساء حتى السادسة صباحا، بعد اتهامه بالتعدي بالضرب في نوفمبر/تشرين الثاني 2013 على رجال شرطة في القاهرة وتنظيم تظاهرة من دون ترخيص ضمن أحداث مجلس الشورى الشهيرة ذلك العام، وأصبح لا يملك سوى كتابة مقالات من آن لآخر على صفحته الشخصية في فيسبوك.

أحمد ماهر مؤسس حركة 6 أبريل يخضع لرقابة قضائية وشرطية يومية بعد الإفراج عنه (الجزيرة)

انسحاب إجباري
أما أسماء محفوظ التي نشرت الفيديو الشهير عن مشاركتها في مظاهرات 25 يناير، فقد اضطرت -تحت ضغط الهجوم القاسي عليها من إعلام الانقلاب- إلى الاختفاء عن كل الأعين، والانسحاب إلى بيتها لتربي ابنتها "عاليا" بعد أن منعتها الحكومة الكويتية من الدخول إلى أراضيها لزيارة زوجها الذي يعمل هناك.

وأما وائل غنيم الاسم الأشهر بين شباب الثورة، والذي اختفى يوم جمعة الغضب 28 يناير/كانون الثاني 2011 ولم يعرف مكانه إلا بعد أن ذهاب حسام بدراوي -الذي عين أمينا للحزب الوطني وقتئذ- قبيل تنحي مبارك بأيام إلى مبنى أمن الدولة، وأطلق سراحه؛ فقد فضل الانسحاب.

وانتظر غنيم أكثر من عامين كي يظهر مرة أخرى على صفحته الشخصية في فيسبوك، ويشرح أسباب انسحابه من المشهد بعد إدراكه أن قراءته للأحداث كانت خاطئة منذ تنحي مبارك وحتى الثالث من يوليو/تموز الذي أقصى فيه الجيش الرئيس المنتخب محمد مرسي، مؤكدا أنه كان ساذجا حين كتب تغريدته الشهيرة يوم 2 يوليو/تموز "لن يعود النظام السابق".

وشدد غنيم على أن الصراع الذي اعتقد أنه من أجل الديمقراطية والحرية، اكتشف أنه صراع صفري بين العسكر والإخوان، وأن كل منهما يريد إحكام قبضته على السلطة وإقصاء المعارضين وقمعهم، على حد وصفه.

واستشعر بعض شباب الثورة -مثل محمد عباس- مبكرا صعوبة العيش أحرارا داخل مصر، فاختاروا المنفى، وحين حاول عضو حركة "شباب من أجل الحرية" خالد السيد -الموجود في الصورة الشهيرة- اللحاق بهم، ألقت سلطات مطار القاهرة القبض عليه بتهمة التورط في قضايا عنف عام 2016، وأنزلت أمتعته من الطائرة المتجهة إلى قطر، وسُلّم إلى جهة أمنية.

محمود حجازي وجد الإقالة في انتظاره بعد عودته من اجتماعات بالولايات المتحدة (مواقع التواصل)

صورة للتاريخ
وانفرد السيسي بالحكم، وحين ضمن أنه نجح في إقصاء كل المعارضين من الشباب والتيارات، بين سجين وطريد ومعتزل للحياة السياسية، التفت إلى كل من ساعدوه في الوصول إلى الحكم، ومنهم صهره اللواء محمود حجازي -الموجود معه في الصورة الشهيرة- الذي كان عينه رئيسا لأركان الجيش، فتخلص منه بعزله في أكتوبر/تشرين الأول 2017.

ظلت الصورة شاهدة على تاريخ يتعلم منه من يريد أن يعتبر دروسا لا تنسى، حاملة قسوة الذكريات المؤلمة لشباب سايروا رموز الثورة المضادة لثورتهم جهلا أو طمعا، وظل السيسي الفائز الوحيد الذي استطاع تحويل كل ما في تلك الصورة إلى تاريخ.

المصدر : الجزيرة