مبادرات الحوار.. ذكريات مريرة تباعد بين الحكومة والمحتجين بالسودان

إحدى جلسات الحوار الوطني الذي دعا إليه البشير (رويترز-أرشيف)
إحدى جلسات الحوار الوطني الذي دعا إليه البشير (رويترز-أرشيف)

أحمد فضل-الخرطوم

الرصيد المتخم بمبادرات الحوار التي فرقت السودانيين أكثر مما جمعتهم، يشكل عائقا أمام دعوات حوار أطلقها حزب المؤتمر الوطني الحاكم في خضم الاحتجاجات التي باتت تطالب بإسقاط النظام.

فإثر احتجاجات سبتمبر/أيلول 2013، سارع الرئيس عمر البشير الذي يحكم البلاد منذ ثلاثة عقود إلى اقتراح حوار جامع لفك الاختناق الناتج عن قمع المحتجين.

وتلقفت قوى المعارضة خطاب البشير الذي ألقاه يوم 27 يناير/كانون الثاني 2014، وانخرطت في الحوار الوطني رغم شكاويها من غموض الخطاب حينها.

لكن النقص ظل يشوب الحوار، والأحزاب تتساقط منه بدءًا بحزب الأمة بزعامة الصادق المهدي، وانتهاءً بحركة الإصلاح الآن التي يرأسها غازي صلاح الدين العتباني، وما عدا ذلك آثر أكثر من مئة حزب الصمت.

بين هبّتين
السلطات تمكنت من احتواء احتجاجات سبتمبر/أيلول 2013 في أيام معدودة بكلفة باهظة في الأرواح جعلت البشير وحزبه أكثر قدرة على العبور بالحوار الوطني وصولا إلى توصياته في أكتوبر/تشرين الأول 2016.

لكن النظام الحاكم الآن يختبر احتجاجات هي الأوسع والأشرس في تاريخ البلاد الحديث، وتكتسب زخما وهي تدخل شهرها الثاني بلا انقطاع.

وقال رئيس القطاع السياسي لحزب المؤتمر الوطني عبد الرحمن الخضر الأسبوع الماضي إن القطاع -بعد تحليل عميق وشفاف للأوضاع الحالية- دفع بمقترح يعلي قيمة الحوار مع المكونات السياسية والمجتمعية، خاصة الشباب والقطاع الواسع غير المنتمي.

وعلى الفور تبنت أمانات وواجهات محسوبة على الحزب والحكومة ذات الاتجاه، حيث تحدثت مسؤولة الأمانة الاجتماعية في المؤتمر الوطني مها عبد العال عن "مبادرة للم الشمل". 

نقطة فارقة
القيادي البارز في حزب المؤتمر الوطني حسين كرشوم يوضح للجزيرة نت أن أي حركة سياسية لديها انعكاسات داخلية وخارجية. وفي ظل تطاول الاحتجاجات يتوقع كرشوم استجابة الحكومة بما يعني تغيير البيئة السياسية الماثلة عبر توسيع المشاركة السياسية وفتح القنوات مع الشباب لإشراكهم في إدارة البلد والقيام بمراجعات سياسية وإدارية وفكرية.

لكن كرشوم يقول إن التحدي الآن قبل فتح قنوات الحوار هو أن يعرّف قيادات الشارع بأنفسهم لأنهم -رغم البيانات- مجهولون، في إشارة إلى تجمع المهنيين الذي يتبنى مواكب تنحي البشير.

ويشير الرجل -وهو ضمن وفد الحكومة للمفاوضات- إلى أن الأحزاب والحركات المسلحة التي تفاوض الحكومة في منبري أديس أبابا والدوحة، انتهزت الاحتجاجات لتضع رسائل في بريد الحكومة بأن لديها خيارات أخرى.

كرشوم: أي حركة سياسية لديها انعكاسات داخلية وخارجية (الجزيرة نت)

منطقة وسط
ويقترح الباحث والمحلل السياسي بالمركز الدولي لاستشراف المستقبل محيي الدين محمد محيي الدين أن يقدم المحتجون والحكومة تنازلات تجمعهما في منطقة وسط بين شعاري "تسقط بس" و"تقعد بس".

ويقول إن على الحكومة تقديم تنازلات مقنعة للمعارضة مثل توسيع الحريات العامة وإطلاق سراح السجناء والمعتقلين، وإعلان موقف من تعديل الدستور وإجراء انتخابات مبكرة.

في المقابل طلب محيي الدين -في حديثه للجزيرة نت- من قادة الحراك تقديم أنفسهم وطرح رؤية تتسم بالمعقولية، فلا يستقيم إعلاء سقف المطالب وتوقع تنحي الحكومة.

المبادرات
وبحسب مراقبين، تبدو مبادرات حزب المؤتمر الوطني فضفاضة حيث لا تعدو حتى الآن أن تكون نوايا بلا تفاصيل تحدد ماهية وأطراف الحوار.

وبعد أسبوعين من الاحتجاجات، أقرّ الرئيس البشير بأن للشباب مطالب مشروعة سيعمل على الاستجابة لها.

وتعج الساحة بمبادرات على رأسها مبادرة أساتذة جامعة الخرطوم، ووثيقة الخلاص الوطني التي طرحها زعيم حزب الأمة الصادق المهدي، وكلها تقترح تنحي البشير وتشكيل حكومة انتقالية لإعداد الدستور وإجراء الانتخابات.

وطرح المهدي لدى عودته إلى البلاد يوم 19 ديسمبر/كانون الأول الفائت وثيقة للخلاص تطلب تنحي البشير وتشكيل حكومة انتقالية موسعة. ومنح لدى مخاطبته المصلين يوم الجمعة مزيدا من التفاصيل بقوله إن الوثيقة ستوقع عليها الأحزاب والتيارات قبل تقديمها للبرلمان.

احتجاجات خرجت من مسجد الأنصار في أم درمان (الجزيرة)

تجريب المجرب
وتبقى الصورة الذهنية لفشل مبادرات الحوار السابقة حاجزا الآن أمام أي اتجاه لتبني الحكومة وحزب المؤتمر الوطني الحوار مع المحتجين أيا كانوا.

يقول الصحفي والمحلل السياسي ماهر أبو الجوخ في حديث للجزيرة نت إن "الإنقاذ" أكثر نظام حكم مر على السودان لديه تركة مثقلة من أوراق وتوصيات لمؤتمرات حوار، فضلا عن عدة اتفاقيات سلام، دون أن تقود إلى اصطفاف وطني.

ويشير أبو الجوخ إلى أن "الإنقاذ" لدى وصولها السلطة عبر انقلاب يونيو/حزيران 1989، عقدت مؤتمر الحوار الوطني الذي وضع التوجهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للنظام الجديد.

لكن المؤتمر الذي أمه المنتمون للجبهة الإسلامية والمايويون "أنصار الرئيس الأسبق جعفر نميري"، لم يكن سوى "قنطرة" عبر بها الإسلاميون إلى مفاصل السلطة بعد تبرّئهم من انقلاب عسكري على ديمقراطية كانوا جزءًا منها. 

ويذكر أبو الجوخ أن الحكومة عقدت مؤتمر كنانة في أكتوبر/تشرين الأول 2008 لمعالجة أزمة دارفور، ولم تر توصياته النور أيضا رغم مشاركة معارضين بارزين على رأسهم الصادق المهدي.

وتظل مبادرة الحوار الوطني (يناير/كانون الثاني 2014) هي الأبرز، لما ترتب عليها من إجراءات دستورية ومشاركة في السلطة، لكنها فشلت أيضا في جمع السودانيين على صعيد واحد، ونجحت فقط في إطالة عمر النظام بعد الاحتجاجات.

المصدر : الجزيرة