محاولات مستمرة لطمس هويته.. هل يفقد ميدان التحرير رمزيته الثورية؟

النظام لا يسمح لأحد بالتظاهر في ميدان التحرير سوى أنصار السيسي (رويترز)
النظام لا يسمح لأحد بالتظاهر في ميدان التحرير سوى أنصار السيسي (رويترز)

أحمد حسن-القاهرة


مع حلول الذكرى الثامنة لثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، تتواصل الإجراءات الأمنية والتغييرات العمرانية بميدان التحرير أيقونة الثورة، ضمن مساعٍ لطمس هويته ورمزيته الثورية. 

ومنذ الانقلاب العسكري في الثالث من يوليو/تموز 2013، تشهد خريطة الميدان سيطرة أمنية على كافة مداخله ومخارجه.

تلك الإجراءات اعتبرها ناشطون ومواطنون شاركوا بالثورة، في أحاديث منفصلة للجزيرة نت، تأتي ضمن التشويه المادي والمعنوي المقصود لرمزية الميدان.

أفراد من الشرطة المصرية على مدخل ميدان التحرير (رويترز)

طمس الهوية
وخلال ثماني سنوات هي عمر الثورة، شهد الميدان تقلبات سياسية واجتماعية عديدة، إذ بدا كمنطقة متنازع عليها بين الثورة والثورة المضادة وكذلك بين فرقاء الثورة نفسها.

وسعى المجلس العسكري الذي أدار شؤون البلاد بعد تنحي الرئيس المخلوع حسني مبارك في 11 فبراير/شباط 2011 ونظام الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، عبر إجراءات عدة إلى طمس هوية ومعالم ثورة 25 يناير بميدان التحرير.

وعلى رأس هذه المعالم، رسوم غرافيتي مبنى الجامعة الأميركية بشارع محمد محمود، أحد امتدادات الميدان المؤدية لمقر وزارة الداخلية الذي شهد مرارا اشتباكات بين الأمن والمتظاهرين، كان أبرزها يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2011، والتي وراح ضحيتها نحو 50 متظاهرا برصاص الأمن.

وخلافا للمتاريس والجُدر الإسمنتية التي أقيمت مرات عدة منذ أواخر 2011، بهدف منع المتظاهرين من الوصول للأماكن الحيوية القريبة من الميدان، أقامت الحكومة المصرية أوائل 2014، بوابات حديدية بشارع قصر العيني المؤدي للميدان وأخرى قرب وزارة الداخلية، قبل أن تزيلها مؤخرا.

وعلى أحد الأطراف المطلة على الميدان أقيم مرآب أرضي للسيارات على مساحة 20 ألف متر مربع يضم أربعة طوابق تحت الأرض بجوار فندق سياحي، شهد في مايو/أيار 2018 احتفالا أقامته السفارة الإسرائيلية بالقاهرة بمناسبة العيد السنوي الـ70 لقيام دولة إسرائيل، في خطوة أثارت رفضا شعبيا واسعا وقتها لمساعي التطبيع.

كما هدمت السلطات في يوليو/تموز 2015 المقر الرئيسي للحزب الوطني (منحل كان يرأسه الرئيس الأسبق حسني مبارك)، الذي أشعل فيه الثوار النيران خلال أيام الثورة.

وسبق أن تعرضت مقار ثقافية قريبة من ميدان التحرير لمداهمات أمنية، كان أبرزها في 2015، حين داهم الأمن "غاليري تاون هاوس"، وهو مركز ثقافي بارز بجانب استهداف دار نشر "ميريت" اليسارية.

ومنذ صيف 2013، تلجأ السلطات إلى إغلاق الميدان، مع بزوغ أية دعوات إلى الاحتجاج أو إحياء ذكرى مناسبات ثورية، ضمن إجراءات طالت عادة تعطيل محطة مترو "أنور السادات" المعروفة بمحطة مترو التحرير، التي تربط بين خطين رئيسيين لمترو القاهرة الكبرى.

والتغييرات التي طرأت على الميدان لم تشمل معالمه فقط، بل امتدت لزائريه، إذ طال التضييق الأمني تفتيش المارة والمواطنين من آن لآخر لدواعٍ أمنية في مرات عدة، كذلك طالت المقاهي القريبة من الميدان التي كانت تعد منصات انطلاق للمظاهرات والتجمعات الاحتجاجية.

الكثير من رموز الثورة وشبابها اتهموا النظام بمحاولة تشويه رمزية ميدان التحرير في قلوب المصريين (رويترز)

رمزية الميدان
مستحضرا ذكرياته مع الثورة، قال الناشط السياسي حسام المتيم إن النظام العسكري الحالي يعد امتدادا لنظام مبارك، ويسعى جاهدا إلى تهميش الميدان وتشويه رمزيته وقوته الناعمة لدى الداخل والخارج.

وأضاف المتيم للجزيرة نت النظام سعى نحو التشويه عبر إطلاق أوصاف منافية للحقيقة على ثوار الميدان، إضافة لمحاولات أبواقه الإعلامية تخوين الثوار وإظهارهم كمخربين أو دعاة للعنف.

وشدد على أن الميدان لا يحتفظ برمزيته لثورة يناير فحسب، بل هو في قلب ميادين ثورات الربيع العربي بما تحمله من نبل في أهدافها ومطالب شعوبها وما يمثله من أمل في التغيير والحرية والكرامة.

وعن هذه الرمزية تابع المتيم "هي لا تسقط بالتقادم ولا يمكن نسيانها جراء إجراءات التضييق الأمني بميدان التحرير".

في المقابل أكد الثلاثيني أحمد سرور موظف بأحد البنوك المصرية، أن ميدان التحرير "أثناء وبعد الثورة كان يعد رمزا للكرامة والصمود، لكنه شيئا فشيئا بدأ ذلك الإحساس يتلاشى".

وقال للجزيرة نت "حين أنزل الميدان لا أشعر بما كنت أشعر به أيام الثورة، أصبح مجرد مكان للذكريات، للأسف الدولة نجحت في طمس هويته، ضمن مساعيها الجبانة والمخزية".

أما الشاب المصري صدام هيم فرأى المساعي الحكومية في تقويض رمزية الميدان ناجحة جدا، مستشهدا بحالة الفرقة التي خلقها النظام الحالي بين شركاء الثورة، وتقسيمهم إلى ميدانين أحدهما "التحرير" والآخر "رابعة" في إشارة إلى ميدان رابعة العدوية الذي شهد فض اعتصامات رافضي الانقلاب العسكري صيف 2013.

وأضاف للجزيرة نت المؤسف في الأمر استخدام الميدان نفسه الذي أسقط مبارك في إنجاح الانقلاب، بإيجاد ظهير شعبي وقتها.

أما عن الميدان حاليا فاعتبره مثيرا للخوف أكثر من كونه مثيرا للروح الثورية.

في هذا الصدد قالت الطالبة الجامعية سميرة أحمد للجزيرة نت، إن شكل ميدان التحرير اختلف تماما عن شكله في الأيام الأولى للثورة، مشيرة إلى محو "أي دلالة للثورة حيث كل الرسومات والشعارات أزيلت حتى صينية الميدان بني فيها نصب تذكاري وأعيد تقسيمها بحيث لا تصلح للوقوف أو التجمع".

المصدر : الجزيرة