هتاف الصامتين بمصر.. من جرافيتي الثورة إلى جدران المراحيض

جدران أي مؤسسة حكومية في مصر تكاد لا تخلو من عبارات تعبر عن سخط الناس على السلطات (رويترز)
جدران أي مؤسسة حكومية في مصر تكاد لا تخلو من عبارات تعبر عن سخط الناس على السلطات (رويترز)

محمد منصور-القاهرة

بعد أن فحصت عيناه كل المحيطين به في عربة مترو الأنفاق بالعاصمة المصرية القاهرة، في محاولة غير مضمونة لطمأنة نفسه بالبعد عن عيون الرقابة؛ سواء من جانب الرسميين أو المتطوعين، فتح صلاح لفافة كان يحملها في يده، وبدأ يتفحصها ويراجع محتوياتها.

إنها ملصقات وأقلام ذات خطوط سميكة تعوّد صلاح أن يحملها في هذا التوقيت من كل عام، حيث كان يفترض أن يحتفل المصريون بالذكرى الثامنة لثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011.

لكن بسبب الضغوط الأمنية، قرر صلاح أن يحتفل بطريقته الخاصة، فهو يستخدم أقلامه وملصقاته لتسجيل المواقف ونشر الأفكار وانتقاد ما يراه "تزييفا" على كل جدار يتأكد أنه خال من الرقابة، بعد أن خصص إعلام النظام أوراق كل الصحف لأخبار إنجازات "مزعومة".

عبارات مناهضة للسيسي على إحدى اللوحات الإعلانية بالقاهرة (الجزيرة)
وتكاد لا تخلو جدران أي مؤسسة حكومية في مصر من عبارات تعبر عن سخط الناس على السلطات، ولجأ المصريون إلى هذه الوسيلة القديمة بعد تأكدهم من امتداد الرقابة حتى إلى صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وأنه لا توجد ساحة أو ميدان خارج الرقابة.

ويجرم القانون المصري الكتابة على جدران المصالح والهيئات، باعتبارها أحد أشكال تخريب المال العام، كما أنها تحريض على العنف، إذا تضمنت عبارات ثورية.

الهروب إلى المراحيض
وللهروب من دائرة الملاحقات القانونية والأمنية، عاد المصريون لابتكار قديم، وهو استخدام جدران المراحيض، باعتبارها أكثر الجدران بعدا عن الرقابة ومتابعات عيون المخبرين أو "المواطنين الشرفاء"، كما يطلق على من يتطوع للإبلاغ عن النشطاء السياسيين خاصة من شباب ثورة يناير.

بمجرد دخولك واحدا من هذه المراحيض، ستلاحظ المفارقة بين ما تراه من عبارات ناقدة بحدة، وبين ما تتناقله وسائل الإعلام حول استقرار الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وسعادة المواطن بما وصلت إليه مصر في العهد الحالي.

ويرى الطبيب النفسي محمد محمود الهواري أن لجوء المصريين للكتابة على جدران المراحيض تعبيرا عن آرائهم وانتقاداتهم؛ يعكس واحدا من الآثار الإيجابية للضغوط النفسية التي يتعرض لها المواطن المصري، فمن خلال هذه الكتابات والملصقات النقدية، يصنع المصريون آلية للتنفيس وعلاجا للضغوط الاجتماعية والاقتصادية.

ولفت الهواري إلى أن هذا الأثر يمكن ملاحظته بشكل أوضح بين فئة المراهقين في المدارس، باعتبار أن أعمارهم تجعلهم أكثر عرضة للرقابة من الأسرة والمدرسة، لذلك فهم أول من استخدم جدران المراحيض لانتقاد الرقابة.

مصريون نفسوا عن غضبهم بالكتابة داخل المراحيض العامة (الجزيرة)






جرافيتي الثورة
ظاهرة الكتابة على الجدران كانت أحد مظاهر ثورة 25 يناير، من خلال فن "الجرافيتي"، الذي بات جزءا من التعبير الحر خلال أحداث الثورة، وكان السلاح المعبر عن حرية الرأي خلال أحداثها، فعبر عن صوت المعارضة غير المسموع، فكل جرافيتي كان له معنى ورسالة محددة، انتشر بشكل سريع، إلى أن أصبح فنا يتداول حتى الآن.

عقب وفاة الشاب خالد سعيد -شرارة اندلاع ثورة 25 يناير- بالتعذيب على أيدي بعض رجال الشرطة، انتشرت دعوات للتظاهر "ضد الظلم"، وبدأ الكثير يتعاطف مع صورته التي ملأت صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، ثم جدران الشوارع، لتوثيق وجهه بالصور، مع كتابة بعض الكلمات الرافضة للاستبداد، وإشعال حماس المواطنين.

الجرافيتي فن يعبر عن صوت المعارضة غير المسموع (الفرنسية)

وبعد الثورة أصبح الجرافيتي أهم فن عبر عن الثورة في الشوارع المصرية، خاصة صور الشهداء، ووثق الفنانون على الجدران أهم مراحل الثورة والأحداث السياسية التي تلتها، وشعارات كل مرحلة، خاصة الاشتباكات المتعددة مع الشرطة والجيش، والتي أوقعت مئات القتلى والجرحى.

واليوم، وبعد خفوت الأصوات المحتجة وبعد مرور ثماني سنوات على ثورة 25 يناير، تمنع السلطات المصرية الرسوم والكتابات الثورية، كما تسعى إلى محو الرسوم القديمة عبر حملات "تنظيف" الشوارع والميادين، لكن ظلت الكثير من هذه الرسوم الجدارية الضخمة بشوارع مصر شاهدة على ثورة يناير وهتافاتها، وإن انتقلت الهتافات حاليا تحت الضغوط الأمنية إلى جدران المراحيض.

المصدر : الجزيرة