ناشونال إنترست: حروب أميركا الخارجية كبدتها ديونا باهظة

أعلنت الإدارة الأميركية مؤخرا أنها ستسحب قواتها من سوريا (رويترز)
أعلنت الإدارة الأميركية مؤخرا أنها ستسحب قواتها من سوريا (رويترز)

يعتقد رئيس تحرير مجلة "ناشونال إنترست" جاكوب هيلبرون أن الولايات المتحدة لم تَجْنِ من حروبها الخارجية سوى ديون متراكمة وفوائد إستراتيجية ضئيلة.

ويرى أن قدرة الولايات المتحدة على الوفاء باستحقاقاتها المالية -المعروفة اصطلاحا بـ"الملاءة المالية- والموازنة بين الالتزامات والقوة ظلت مسألة محل نقاش مستمر من قبل خبراء يؤمنون بالنزعة الواقعية في السياسة الخارجية.

ويقتبس هيلبرون في مقاله المطول بالمجلة من كتاب "السياسة الخارجية الأميركية.. درع الجمهورية" لمؤلفه عميد المفكرين الواقعيين الأميركيين وولتر ليبمان، أنه "لا ينبغي لأحد أن يظن أن لديه سياسة مالية إن لم تتضمن المصروفات والإيرادات، والمطلوبات والموجودات. لكننا في مسألة العلاقات الخارجية درجنا كالعادة على الفصل في نقاشاتنا بين أهدافنا من خوض الحروب وغاياتنا من السلام ومثلنا ومصالحنا والتزاماتنا، وبين تسلحنا، وموقفنا الإستراتيجي، وحلفائنا المحتملين وأعدائنا الكامنين".

ويضيف المعلق السياسي الشهير ليبمان أن مثل تلك النقاشات لن تتمخض عن سياسة، مشيرا إلى أن ما يضع حدا لهذا الجدل هو ضرورة التوازن بين الوسائل والغايات.

إذا كان الإنفاق الإلزامي والمستحقات غير المدفوعة من التخفيضات الضريبية تشكل جزءًا كبيرا من أزمة الدين الأميركي، فإن الانخراط في حروب خارجية لها القدح المعلى في عجز الميزانيات الاتحادية أكثر مما هو معترف به.

وفي اقتباس آخر لهيلبرون من مقال في مجلة "فورين أفيرز"، كتب العالم السياسي والأكاديمي الأميركي صامويل هنتينغتون في عام 1987 مؤكدا أن أميركا تجشمت عناء التزامات في الخارج لم تكن على استعداد لدفع ثمنها في الداخل.

حجة مقنعة
ويقول هيلبرون إن مستوى الدين الأميركي ظل في ارتفاع مطرد منذ انتهاء رئاسة بيل كلينتون التي شهدت خلالها ميزانية الدولة فائضا ماليا. وقفزت الديون إبان إدارة الرئيس جورج بوش الابن من 10.6 تريليونات دولار إلى 19.9 تريليونا في عهد باراك أوباما.

ومع أن دونالد ترامب قال في 2017 إنه سيقضي على الديون خلال ثمانية أعوام، إلا أنه التزم الصمت بعد توليه زمام الأمور في البلاد مع توقعات بتجاوز الدين حدود 21 تريليون دولار.

فإذا كان الإنفاق الإلزامي والمستحقات غير المدفوعة من التخفيضات الضريبية تشكل جزءًا كبيرا من أزمة الدين الأميركي، فإن الانخراط في حروب خارجية له القدح المعلى في عجز الميزانيات الاتحادية أكثر مما هو معترف به.

وتشير أستاذة إدارة الحكم بجامعة "كونيل" ساره كريبس في كتابها الجديد بعنوان "فرض ضرائب على الحروب"، إلى أن ثمة تحولا جوهريا حدث منذ عام 1945 حين فشلت الولايات المتحدة مرارا وتكرارا في فرض ضرائب على الحروب، واعتمدت على الاستدانة لتمويل حروبها الخارجية سواء في فيتنام أو العراق أو أفغانستان.

وتبدو حجة كريبس صحيحة -بحسب هيلبرون- لأن الإنفاق من الأموال المستدانة لسد العجز يتيح للزعماء السياسيين كبح أي معارضة للضلوع في مزيد من الصراعات المحدودة، عوضا عن مناشدة الجماهير بذل تضحيات مالية.

وقد ساهم المسؤولون الأميركيون بانقيادهم لإغراء خوض نزاعات على نحو خفي في تقويض الديمقراطية الأميركية عبر تجنب القيود والضغط الشعبي الذي غالبا ما يصاحب النزاعات الخارجية، حسبما ورد بمقال ناشونال إنترست.

أوباما سعى للتهوين من كلفة نشر الجنود الأميركيين للقتال في أفغانستان (رويترز)

فلاسفة التنوير
يقول هيلبرون في مقاله إن فلاسفة عصر التنوير في أوروبا، من أمثال الألماني إيمانويل كانط، ظنوا أن تكاليف الحرب ستساعد في الحؤول دون إقدام الزعماء الديمقراطيين على القيام بـ"أعمال متهورة".

ومن وجهة نظر كانط، إذا كان لا بد من الحصول على موافقة الشعوب قبل إعلان أي حرب، فإن الطبيعي أكثر من أي شيء آخر هو أن الجماهير تكون أشد حذرا عندما يتعلق الأمر بإشعال مثل هذه المغامرة الرديئة. فإذا كانت الحرب شرا لا بد منه، فعندئذ يتعين على الدولة تحمل نفقاتها من مواردها الذاتية، كما يقول كانط.

وعلى العكس من ذلك، أبدى عالم الاقتصاد السياسي الأسكتلندي آدم سميث قلقه من أن يلجأ الحكام إلى تكبد نفقات باهظة تؤدي إلى عجوزات هائلة في ميزانيات دولهم. ففي كتابه "ثروة الأمم"، لاحظ سميث أن الجماهير قد تنظر إلى الحرب على أنها مغامرة تلهيهم عن متاعب الحياة اليومية.

ويمضي رئيس تحرير ناشونال إنترست في مقاله إلى أن الحربين العالميتين الأولى والثانية كان يُنظر إليهما في أميركا على أنهما نزاعان "شهيران" لم يثيرا ذلك النفور الشعبي من تكاليفهما.

حروب كونية

وشهدت الحرب العالمية الثانية زيادة كبيرة في رسوم الضرائب. لكن الصفقة الجديدة (أو النيو ديل كما تُعرف باللغة الإنجليزية) -وهي مجموعة البرامج الاقتصادية التي أطلقت في الولايات المتحدة بين عامي 1933 و1936- لم تكن سوى إجراء مؤقت.

 ما لم توازن أميركا بين التزاماتها وقوتها فإنها تغامر بانزلاقها مجددا في المخاطر ذاتها الناجمة عن سياساتها الخارجية والمالية على النحو الذي حذر منه وولتر ليبمان قبل نحو قرن من الزمان.

وبعد هجوم اليابانيين على ميناء بيرل هاربر، قرر الكونغرس الأميركي في عام 1942 زيادة ضريبة الدخل بإضافة 90% زيادة في ضريبة الأرباح، و5% "ضريبة نصر" على صافي الدخل.

وعلى العكس مما جرى في الحرب العالمية الأولى، لم يُخفض الكونغرس الضرائب بعد الحرب العالمية الثانية في أعقاب هزيمة ألمانيا النازية واليابان الإمبريالية، وفقا لهيلبرون.

وبعد عام 1945 بدأت الولايات المتحدة في خوض حروب جديدة أقل نطاقا من المعارك الشرسة التي اندلعت إبان الحرب العالمية الثانية. ولم يكن الجمهور يرغب في تقليص مظلة الأمان الاجتماعي أو زيادة الضرائب لتغطية نفقات الصراعات العسكرية في الخارج.

ويزعم كاتب المقال أن إخفاق الولايات المتحدة في سداد تكاليف حرب فيتنام أدى إلى ارتفاع حاد في معدلات التضخم في سبعينيات القرن الماضي. وعقب هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، فشلت الولايات المتحدة في دفع نفقات حروبها المحدودة مقدما.

وبدلا من أن يدعو الرئيس جورج بوش الابن مواطنيه للتضحية، حثهم على التسوق أكثر. وحاول خليفته باراك أوباما التهوين من حقيقة كلفة نشر الجنود الأميركيين للقتال في أفغانستان.

ويخلص هيلبرون إلى أن واشنطن سعت في بعض الأحيان إلى الاعتماد على قوات لتقاتل عنها "بالوكالة"، لكن "ذلك ليس هو الحل الحقيقي". ويختم بالقول إنه ما لم توازن أميركا بين التزاماتها وقوتها فإنها تغامر بانزلاقها مجددا في المخاطر ذاتها الناجمة عن سياساتها الخارجية والمالية على النحو الذي حذر منه المعلق السياسي وولتر ليبمان قبل نحو قرن من الزمان.

المصدر : ناشونال إنترست