هيئة الساحل.. مبادرة لتعليم الفقراء بموريتانيا

التلميذة رقية سيدي أثناء استراحة قصيرة داخل المدرسة (الجزيرة نت)
التلميذة رقية سيدي أثناء استراحة قصيرة داخل المدرسة (الجزيرة نت)
السالك زيد-نواكشوط
 
داخل فصل دراسي بمدرسة خاصة في أرقى أحياء نواكشوط، تجلس رقية
سيدي (14 عاما) تركز في شرح أستاذ الرياضيات للدرس الجديد، وتكتب في دفترها المعلومات التي يكتبها الأستاذ على السبورة.
 
بين مباني حي "تفرغ زينه" الراقي تعيش الفتاة رقية سيدي مع أمها وإخوتها في
عريش صغير بقطعة أرضية لم يستغلها صاحبها بعد، عقب قدوم العائلة من مدينة ألاك (شرق العاصمة).

تتابع رقية دراستها في مدرسة خاصة، وحصلت على المرتبة الثانية في امتحان
الفصل الأول في السنة الأولى الإعدادية، وربما لم تكن تحلم بذلك، فعائلتها لم تستطع حتى الآن أن توفر مكانا خاصا للسكن.

حصلت رقية هي والعشرات من الأطفال في ضيعتها على فرصة التعلم في
المدارس الخاصة، بفضل جهود هيئة الساحل للدفاع عن حقوق الإنسان ودعم
التعليم، التي من أهدافها مساعدة أبناء الفقراء على مواصلة الدراسة.

تقول الفتاة للجزيرة نت "أنا ممتنة للهيئة التي ساعدتني على التسجيل في هذه المدرسة، كما أشكر المدرسة على قبولي، وأتمنى أن أواصل تعليمي وأصبح معلمة، لكي أساعد عائلتي.

العريش الذي تسكن فيه عائلة رقية (الجزيرة نت)

بداية أمل
بينما كانت رقية تتابع دراستها في فصلها، تجلس أمها عند باب العريش في انتظار عودتها.

بكثير من الأمل، تتمنى يمه بيرام والدة رقية أن تتابع ابنتها تعليمها، وأن تحقق شيئا في حياتها يساعدها على عيش حياة أفضل، فهي الوحيدة من أبنائها التي ما تزال في تعليمها.

تقول للجزيرة نت يعلم الله أنني لا أملك مالا أدفعه للمدرسة من أجل تعليم رقية، لكن أصحاب الهيئة والمدرسة قدموا لي خدمة لا تعوض بثمن.

ويلاحظ مدير مدرسة آفاق المستقبل الخاصة الحسن ولد محمد تميزا كبيرا في نتائج رقية، مقارنة بأقرانها، ويقول إن الطفلة خلال عشر سنوات سيتغير واقعها، وتكون قادرة على مساعدة نفسها وخدمة المجتمع والوطن.

إبراهيم بلال: لا يمكن سد الفجوة الحاصلة في المجتمع إلا بالتعليم (الجزيرة نت)

إنقاذ مستقبل
تأسست هيئة الساحل عام 2017 على يد الناشط الحقوقي إبراهيم ولد بلال،
الذي عرف قبل ذلك في موريتانيا بنشاطه ضد العبودية، ويسعى اليوم مع بعض الناشطين الشباب إلى "انتشال أكبر عدد ممكن من أطفال الفقراء، خاصة شريحة العبيد السابقين، كما يقول للجزيرة نت.

مشروع هيئة الساحل هو نمط جديد لمحاربة العبودية وآثارها، لأن السبب الأبرز للفجوة الحاصلة في المجتمع لا يمكن سدها إلا بالتعليم، كما يضيف ولد بلال.

ومع بداية كل عام دراسي في موريتانيا، تقوم الهيئة بعملية إحصاء للأطفال
الفقراء في أحياء نواكشوط، عبر دراسة للأسر الأشد عجزا وفقرا، وذلك
لمساعدة أطفالهم، على متابعة تعليمهم.

تعتمد الهيئة على مساعدات الخيرين من أجل توفير مقاعد دراسية للأطفال في
مدارس خاصة، أو تبرعات بعض المدارس بعدد من المقاعد للهيئة وبعض المعدات الدراسية لصالح هؤلاء الأطفال.

الحسن سيدي: خلال عشر سنوات سيتغير واقع رقية (الجزيرة نت)

تعليم ضعيف
ويعاني التعليم الحكومي من ضعف ملحوظ في موريتانيا، وقام الرئيس محمد ولد عبد العزيز بإعلان عام 2015 عاما للتعليم، لكن الناشطين في المجال يعتبرون أن واقع التعليم العمومي لم يتغير، ولا يدرس فيه سوى أبناء الفقراء.

ويعتبر رئيس هيئة الساحل إبراهيم ولد بلال أن الأنظمة المتعاقبة إذا كانت
فشلت في شيء فهو مجال التعليم، ويعدد عددا من الأسباب لذلك الفشل، وفي مقدمتها التخطيط، وعدم اهتمام من يتولون إدارة الشأن العام بالتعليم العمومي، لأنهم من شريحة واحدة، ولديهم الإمكانات لإرسال أبنائهم للمدارس الخاصة، وهذا جعل المدارس العمومية مهجورة لا يدرس فيها إلا الفقراء، كما يقول.

وفي السنة نفسها التي أعلنتها الحكومة عاما للتعليم، قالت وزارة التعليم الموريتانية إن 182 ألف طفل تتراوح أعمارهم بين ست سنوات و15 سنة، أي نسبة 27% من المستهدفين بالتعليم، هم خارج العملية التعليمية.

ومن أجل تغيير هذا الواقع، يقول ولد بلال إن هيئته تسعى إلى خلق فرص بديلة للأطفال المتميزين المنحدرين من الطبقات الهشة داخل مؤسسات التعليم الخاصة، وذلك لدعمهم، إلى أن يتغير حال التعليم العمومي، ويكون تعليما للجميع أغنياء وفقراء.

في مجتمع يكثر فيه الفقر والتسرب المدرسي، ويشهد ضعفا في التعليم العمومي،
تتابع هيئة الساحل عملها، من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من أطفال الطبقات الهشة
في موريتانيا، وتسعى إلى تغيير واقع التعليم إلى الأفضل.

المصدر : الجزيرة