العرب في البرازيل.. من مرفأ لجوء إلى محطة نجاح

خلال تظاهرة للمسلمين في ساوباولو (رويترز-أرشيف)
خلال تظاهرة للمسلمين في ساوباولو (رويترز-أرشيف)

حسان مسعود-ساوباولو

حينما تذكر بلدان اغتراب وهجرة الشعوب العربية تكون للبرازيل حصة كبيرة، لأنها احتضنت إحدى أكبر موجات هجرتهم عبر السنين، إلى أن أصبح عدد أبناء جاليتها من أصول عربية يفوق الـ12 مليونا.

بدأت قصة رحلات العرب للبرازيل بشكل رسمي أواسط القرن الـ19 وتحديدا عام 1835 حينما انتقل أفراد من عائلة بيروتية إلى مدينة ريو دي جانيرو (عاصمة البلاد آنذاك)، لتتوالى بعدها هجرات العرب المغامرين من اللبنانيين والسوريين بشكل خاص وغيرهم من الجنسيات العربية على فترات متفرقة.

لكن روايات تاريخية يرددها عدد من الباحثين والمهتمين في دراسة تاريخ البرازيل، تُرجع علاقة العرب بأكبر بلدان أميركا اللاتينية إلى بدايات اكتشاف البرازيل في القرنين 16 و17، بعدما استقدم البرتغاليون عبيدا من الأفارقة العرب والمسلمين الذين سكنوا مدينة ساحلية مشهورة بجمالها وسحر طبيعتها ما زالت تسمى حتى اليوم "بهية".

ويعيد المهتمون بهذا المجال أصل التسمية إلى اللغة العربية، ويستدلون بها على العلاقة القديمة بين العرب والبرازيل تماما كتسمية مدينة "ريصيفي" الساحلية الشمالية أيضا التي يعود أصلها إلى كلمة "رصيف" لكونها تشكل رصيفا للبحر، إلا أن هذه الروايات لا تزال تحتاج إلى كثير من البحث والتدقيق للخروج بدراسات وأبحاث علمية تغطي هذه الحقبة الهامة من التاريخ العربي والبرازيلي على حد سواء.

نحو عالم جديد
أسباب هجرة العرب إلى البرازيل متعددة، جزء منهم هاجر هربا من الخدمة العسكرية، أو سوء الأوضاع الاقتصادية في آخر عهد الدولة العثمانية، وكان هؤلاء يحملون وثائق السفر التركية، مما جعل البرازيليين يطلقون عليهم لقب "توركو" أي الأتراك وما زال هذا الاسم مستخدما حتى اليوم.

أحد مساجد مدينة كوروتيبا في البرازيل (رويترز)

جزء آخر هاجر بسبب الحروب التي بدأت في المنطقة بعد الحرب العالمية ومرحلة الانتداب ثم احتلال فلسطين وما صاحبها من حروب ونكبات، وصولا إلى الحرب الأهلية اللبنانية التي شهدت أكبر موجة هجرة جماعية إلى البرازيل، حيث هاجرت عائلات بأكملها.

وتزامنت هذه الأحداث كلها مع فتح البرازيل أبوابها أمام المهاجرين من كافة أنحاء العالم وإرسالها لدعوات إلى مختلف الحكومات تشجع فيها الشعوب على القدوم إلى "العالم الجديد" وتمنحهم الكثير من الامتيازات والتسهيلات.

وتعزز ذلك بعد جولة قام بها آخر إمبراطور للبرازيل "دوم بيدرو الثاني" إلى الشرق الأوسط، شملت مصر وبلاد الشام، وهو الإمبراطور الشاب الذي كان معروفا بحبه للغة العربية التي تعلمها سابقا في البرتغال.

من باعة إلى أثرياء
لبّى العرب دعوة البرازيل وأغرتهم الامتيازات التي قدمتها، وأبرزها منح أرض لكل عائلة مهاجرة ليبدؤوا حياتهم بها عبر زراعتها وبناء بيوتهم عليها. وتلاقت هذه الدعوات مع خبرة العرب من أهالي لبنان وسوريا وفلسطين بالزراعة خصوصا أبناء القرى، وهم الذين يشكلون اليوم غالبية أفراد الجالية العربية هناك. كما استثمروا في كافة المجالات المتاحة وبأقل الإمكانات.

الحاج محمود حسين (أبو رأفت) وهو كبير الجالية العربية في مدينة فلوريانابوليس السياحية، وأحد كبار تجارها ووجهائها، يحكي للجزيرة نت قصته مع البرازيل قائلا "أتى والدي بعدما دمرت أرضه في الضفة الغربية بفلسطين مع بدايات الاحتلال الإسرائيلي في أربعينيات القرن الماضي، وكانت حينها الحكومة البرازيلية قد أبلغت الحكومة الأردنية بفتح الباب أمام المهاجرين".

أبو رأفت أحد كبار الجالية العربية في مدينة فلوريانوبوليس جنوب البرازيل (الجزيرة)

يضيف أن والده "توجه إلى البرازيل عبر باخرة كبيرة كانت تقل المهاجرين من أحد موانئ لبنان في رحلة استمرت ثلاثة أشهر، وحين وصل وجد أنه من الصعب عليه العمل في الزراعة وحده في ظل صعوبات اللغة واختلاف البيئة وضرورة الانتظار الطويل لجني المحصول، لذا اختار التوجه إلى التجارة، وبدأ بالعمل مثل الكثير من العرب الذين أتوا قبله كتاجر شنطة يضع فيها مجموعة قطع ثياب ويدور بها على المنازل ليبيعهم بالتقسيط".

يذكر أبو رأفت إحدى طرائف تلك المرحلة "لم يكن يجد والدي وسيلة لحفظ حقه بالديون لدى الزبائن سوى أن يكتب على صورة للسيد المسيح اسم الزبون والدين الذي عليه ويقول للبرازيليين ببرتغاليته البسيطة المسيح سيعلم إن دفعتم أم لا، وذلك نظرا لإيمانهم الشديد تلك الفترة وحياتهم البسيطة".

ومع تطور التجارة والمعرفة بالبلد، استقدم الأب أولاده ليعملوا معه ويبنوا مجتمعهم الصغير، الذي كبر يوما بعد يوم لتصبح شركاتهم الأكبر في المنطقة ويصبحوا مالكين للكثير من العقارات والأراضي في المدينة التي يؤجروها هم للبرازيليين.

وعن ذلك، يضيف أبو رأفت للجزيرة نت "كان عدد عائلتنا ستة أشخاص عندما أتينا إلى البرازيل، أما اليوم فعائلاتنا وحدها لا تقل عن 150 فردا، حاولنا رغم الصعوبات أن نعلمهم الحفاظ على هويتهم العربية ولغتهم وثقافتهم، جنبا إلى جنب مع تعليمهم المدرسي والجامعي وانخراطهم في المجتمع بشكل سليم ليصبحوا مؤثرين في بيئتهم أيضا".

قصة أبو رأفت وعائلته شبيهة بقصص الكثير من أبناء الجالية العربية من اللبنانيين والسوريين وغيرهم، الذين استطاعوا أن يحققوا الكثير من النجاحات وتكوين ثروات كبيرة جعلت الجالية إحدى أغنى الجاليات المهاجرة في البرازيل. 

نجاحات فردية فقط
في جولة سريعة في شوارع وأحياء البرازيل وخصوصا ولاية ساوباولو، تلاحظ العلاقة الكبيرة والأثر الواضح الذي تركه العرب في البلاد في العديد من المجالات.

فعلى الصعيد السياسي، نافس في الانتخابات الأخيرة (أكتوبر/تشرين الأول 2018) المرشح فرناندو حداد ذي الأصول اللبنانية، على مقعد الرئاسة في مواجهة الرئيس المنتخب الحالي جايير بولسونارو، في ظل رئيس مؤقت من أصول لبنانية أيضا هو ميشيل تامر، إضافة إلى أسماء كثيرة كبرى كعائلات معلوف وسعد ومظلوم وغيرها التي استطاعت أن تبلغ مناصب رفيعة في حكم الولايات ورئاسة البلديات والمناصب القضائية وحتى الإعلامية.

وعلى الصعيد الثقافي، يُلاحظ أن العديد من الأكلات العربية الشهيرة باتت جزءا من المائدة اليومية البرازيلية مثل "الكبة والصفيحة" وغيرها.

وعلى مستوى النجاحات الطبية، تجد أن أشهر الأطباء في الكثير من المجالات من العرب إضافة إلى أن أحد أكبر وأهم مستشفيات التجميل في القارة اللاتينية يحمل اسم "المستشفى اللبناني السوري" الذي أصبح له العديد من الفروع.

المستشفى السوري اللبناني أحد أهم مستشفيات التجميل على مستوى البرازيل وأميركا اللاتينية (الجزيرة)

كما تجد شركات ضخمة متخصصة في مجالات المفروشات والأقمشة والملابس وحتى شركات الغاز تعود لأشخاص أو عائلات عربية، حتى أن أسواقا كاملة في العاصمة الاقتصادية ساوباولو أُطلق عليها "سوق العرب" كسوق براس وشارع 25 مارس، قبل أن يدخل رجال الأعمال الصينيين على خط المنافسة.

ترى أيضا أن الكثير من الشوارع والأحياء البرازيلية الهامة والعريقة أُطلق عليها أسماء شخصيات أو دول عربية تكريما لها على تقديماتها وخدماتها تجاه وطنها الجديد "البرازيل" مثل شارع "ماريا معلوف" و"سليم فرح" و"شارع الجمهورية اللبنانية" و"جادة فلسطين" وغيرها.

لوحة في وسط ساو باولو تشير إلى ساحة نجيب غانمة وهو أحد العرب المؤثرين في المدينة (الجزيرة)

غير أن هذه الإنجازات والبصمات كلها تأتي في ظل غياب تام لأي جهة مرجعية تمثل العرب في البلاد، تعتني بشؤونهم وتنقل هواجسهم أو تعمل على توحيد كلمتهم في القضايا المصيرية التي تخصُّهم.

وحول هذا الموضوع، يقول الباحث الشيخ حُسام البستاني وهو رئيس مركز الإيمان في الأميركيتين للحوار والتربية "استطاع العرب أن يحققوا الكثير على الصعيد الشخصي أو العائلي، ووصلوا إلى مراتب مرموقة في كافة المجالات، وتركوا بصمة كبيرة في المجتمع، إلا أن أثرهم كان على الصعيد الفردي فحسب، دون أن يعود ذلك بالنفع على الجالية ككل، فلكل حساباته الخاصة".

 بستاني: نحن بأمس الحاجة لجهة تمثيلية أو مرجعية للجالية العربية في البرازيل (الجزيرة)

وحول عدم وجود مرجعية، يضيف البستاني للجزيرة نت "كانت هناك العديد من المحاولات وما زالت لإيجاد جهة تمثيلية أو مرجعية للجالية العربية في البرازيل، إلا أن كافة الجهود باءت بالفشل، والسبب ببساطة هو ذاته الذي يمنع العرب من التوحد في البلدان العربية، فالجاليات حملت معها ذات الإشكالات والخلافات إلى بلاد المهجر".

واعتبر الباحث الذي أمضى 25 عاما في البرازيل أن "ما زاد الأمر سوءا في البرازيل حجمها الجغرافي الكبير واهتمام كل شخص بنفسه وأسرته فقط"، مضيفا "نحن الآن بأمس الحاجة لإيجاد هذه المرجعية وبناء شراكات وعلاقات حقيقية مع كافة أطياف المجتمع تعود بالنفع على الجالية، فالتحديات التي تواجهنا كبيرة جدا اليوم أكثر من أي وقت مضى".

محطة لجوء جديدة
وكما كانت البرازيل دائما وجهة للعرب الفارين من تداعيات الصراعات والحروب العربية، أصبحت من جديد ومنذ اندلاع الأزمات في الدول التي طالها الربيع العربي، مقصدا للباحثين عن مكان آمن بعيد عن مسرح الصراعات، خصوصا في ظل قوانين إنسانية برازيلية فتحت الباب أمام اللجوء والاستقرار في البلاد بسهولة، إلى جانب اختيار البرازيل من قبل الكثير من العائلات كبلد للحصول على جنسية قوية بديلة عبر قانون منح الجنسية للطفل المولود في البرازيل والإقامات الدائمة ثم الجنسية لاحقا لأسرته.

ورغم غياب إحصائيات دقيقة لأعداد المهاجرين العرب في السنوات السبع الأخيرة إلى البرازيل، فإن الوجود العربي الجديد بات واضحا للمراقبين، وأنشأ بطبيعة الحال حركة اجتماعية داخل الجالية، فالبعض حظي بفرصة المساعدة من قبل أبناء العرب في البلاد، في حين لم يجد البعض الآخر سبيلا لبدء حياته في بلد تعتبر من الأصعب في العالم من ناحية لغتها البرتغالية المعقدة وغلاء المعيشة وصعوبة الحصول على فرص عمل مناسبة إضافة إلى الاختلاف الثقافي الكبير للقادم الجديد، خصوصا في ظل عدم استطاعة الحكومة البرازيلية تقديم مساعدات مادية أو عينية لهم.

خلال تناول إفطار رمضان بأحد مساجد ساوباولو (رويترز-أرشيف)

لكن نماذج عديدة استطاعت تخطي الصعوبات وبدء حياة جديدة في البرازيل وبدؤوا بالتأثير داخل مجتمعهم. عبد الباسط جرور وهو مؤسس كأس اللاجئين في البرازيل، روى للجزيرة نت قصته.

يقول جرور "عام 2013 استطعت الهرب من الحرب في سوريا أنا وعائلتي، وأصبح كل فرد منا في بلد بعيد عن الآخر، حاولت التقديم على تأشيرات لعدد من الدول إلا أن البرازيل فقط هي من فتحت لي المجال، أتيت إلى عالم جديد لم أكن أعرف شيئا عنه سوى كرة القدم".

ويضيف "كانت البداية صعبة جدا إلا أني أصررت على الاستمرار، حاولت تعلم اللغة عبر الاختلاط بالمجتمع البرازيلي بقوة، وابتكرت مع أصدقائي فكرة إطلاق مسابقة "كأس اللاجئين في كرة القدم"، وبالفعل وجدت إقبالا كبيرا عليها وإعجابا برازيليا، تُرجم عبر دعم رسمي وإعلامي كبير لي وللمشروع، سعيد جدا بتحقيقي نجاحات كبيرة في فترتي القصيرة في البرازيل وأشعر أنه قد أصبح لدي حياة جديدة بالكامل، وأصبحت البرازيل بلدي الحقيقية".

وجود العرب الكبير وبصماتهم في البرازيل وأميركا اللاتينية بات جزءا لا يتجزأ من تاريخ البلاد وحاضرها، إلا أن أسئلة كبيرة تطرح حول العلاقة المستقبلية بينها وبين العالم العربي في ظل حكم أقصى اليمين الذي يحمل أفكارا سلبية تجاه اللاجئين وقد يهدد الوجود العربي الجديد، علما أنه وعد بقرارات مستفزة للشارع العربي كنقل السفارة البرازيلية إلى القدس، وغيرها.

ويبقى التعويل الكبير على قدرة هذه الجالية الضخمة على التأثير إيجابا في الحفاظ على حرارة هذه العلاقات التاريخية وتقدمها.

المصدر : الجزيرة