نهر السيسي الأخضر.. نعمة أم نقمة؟

تصميم تخيلي للنهر الأخضر في قلب العاصمة الإدارية الجديدة عرضته الحكومة على وسائل الإعلام (مواقع التواصل الاجتماعي)
تصميم تخيلي للنهر الأخضر في قلب العاصمة الإدارية الجديدة عرضته الحكومة على وسائل الإعلام (مواقع التواصل الاجتماعي)

عبد الكريم سليم-القاهرة

يروي المصريون أن وكيل وزارة سأل مقاولا يتولى أعمال الدهانات والديكور للفيلا الجديدة للوكيل بالتجمع الخامس (إحدى الضواحي الراقية شرق القاهرة والقريبة من العاصمة الإدارية الجديدة): وأنت أين تسكن يا عزمي؟ فأجابه "في حدائق المعادي على الكورنيش يا فندم"، فرد وكيل الوزارة ساخرا "ندفع نحن هنا الملايين في قصور بالصحراء، وأنتم تقيمون في عشش ترى النيل؟".

جرت تلك المحادثة قبل شهور من إعلان رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي عن تدشين مشروع لحفر نهر صناعي بطول 35 كيلومترا يشق قلب العاصمة الإدارية الجديدة، وبتكلفة تقدر بـ35 مليار جنيه (نحو ملياري دولار أميركي).

ومن المنتظر أن يمثل هذا النهر تعويضا لسكان العاصمة عن نهر النيل، الذي يعد من بين الميزات التي يتفرد بها سكان القاهرة.

صدمة التكاليف
لكن المشروع بتكاليفه الضخمة صدم المتابعين والمواطنين، في ظل توقعات بمزيد من الأعباء الاقتصادية التي ينوء بها كاهل المصريين.

وجاء الإعلان عن النهر الجديد فجأة، مما يرجح أن تنفيذه سيتم بغير دراسة لجدواه مثل المشاريع السابقة التي أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي أنه "لو انتظر عمل دراسات جدوى لها لما خرجت للنور مبكرا".

ونسبت صحيفة اليوم السابع لمصادر مجهولة أن النهر الأخضر -وهو اسم النهر الجديد- سيبدأ من الطريق الدائري الأوسط حتى الطريق الدائري الإقليمي، فضلا عن مروره وسط منطقة الأعمال المركزية بالعاصمة الجديدة.

وقالت المصادر إن الدولة راعت في تصميم العاصمة الإدارية الجديدة أن يتوسط المشروع نهر أخضر على أن يتم افتتاحه عام 2020، وذلك محاكاة لنهر النيل الذي يتوسط مدينة القاهرة.

وحسب المعلومات القليلة المتاحة، فإن هيئة المجتمعات العمرانية هي المكلفة بتوفير التمويل اللازم لمشروع النهر الأخضر والحديقة المركزية المطلة على النهر الأخضر، وستكلف المرحلة الأولى من النهر (نحو عشرة كليومترات) 9 مليارات جنيه (500 مليون دولار)، وفقا لتصريحات رئيس الوزراء.

وتنفذ شركة المقاولون العرب المشروع لزراعة نحو 168 فدانا (الفدان يساوي 4200.83 متر مربع) من الحدائق المطلة على النهر في العاصمة الإدارية الجديدة، وذلك في إطار المرحلة الأولى التي شهد رئيس الوزراء بدء العمل بها الاثنين الماضي.

خبراء ري أكدوا أن المشروع يهدر الثروة المائية التي تعاني مؤخرا بعد بناء سد النهضة الإثيوبي (غيتي إيميجز)

رمزية سياسية
ويرى أستاذ هندسة السدود بجامعة يونيتن محمد حافظ أن مشروع النهر الأخضر يراد له أن يكون علامة لنظام السيسي، فمياهه تسحب من مجري النيل بالقاهرة، بالإضافة لعدد من المصارف الزراعية.

ويضيف في حديث للجزيرة نت أن أنابيب شبكة المياه سوف تمتد شرقا لمحطة المعالجة بالعاشر من رمضان والقاهرة الجديدة حيث سيتم توفير قرابة 250 ألف متر مكعب من تلك المياه للاستخدام المنزلي وقرابة مليون متر مكعب تتم معالجته ثلاثيا لري حدائق العاصمة الجديدة والتي تبلغ مساحتها قرابة ألف فدان.

ويستدل حافظ على الإهدار المتعمد لأغراض الترف بأن زراعة تلك الألف فدان بأشجار زينة وحدائق من المفترض ألا يستهلك الفدان يوميا للري أكثر من 20 مترا مكعبا، أي قرابة 20 ألف متر مكعب يوميا، كان يمكن نقلها عبر أنابيب بقطر 1.0 متر تحت الأرض وليس عبارة عن مجار مائية مفتوحة تحتاج لأكثر من 20 ألف متر مكعب، بتكلفة مليارات الجنيهات حتى تمتلئ وتعكس منظراً جمالياً.

ويعتقد خبير السدود أن النظام يحاول تعويض الاختيار الخاطئ لموقع المدينة كقطعة صحراوية جرداء مرتفعة عن منسوب سطح البحر بقرابة 350 متر -مما يجعل طقسها يميل أكثر للجفاف- بخلق رئة "صناعية" لسكانها من النخبة، عبر رفع قرابة 1.5 مليون متر مكعب يوميا من مياه النيل بالقاهرة مرورا بمحطات ضخ عدة لرفع تلك الكمية الضخمة من المياه، مع تكاليف الطاقة الضخمة اللازمة لها.

بدوره يؤكد خبير أنظمة الري عمر الحداد أنه من المستحيل فنياً جريان نهر بمنطقة العاصمة الإدارية، نظراً لطبيعتها الرملية كما تكشف الطبيعة الجغرافية وصور المنطقة المحيطة بالمسجد الرئيسي بها.

كما تبرز مشكلة معدلات التبخر الشديدة بالمنطقة الجافة، التي ترتفع فيها درجات الحرارة عن وادي النيل بشكل كبير، فهي قريبة من مناطق تعد مشتى للمصريين كالعين السخنة وسلاسل جبال البحر الأحمر.

وتأتي مشكلة انعدام وجود طمي طيني بمسار النهر لتقلل من إمكانية استخدام مياهه في الاستخدامات العادية، مما يعني اللجوء للمياه الجوفية لتعويض هذا النقص في ظل الحاجة لكمية كبيرة من المياه المعالجة.

ويحذر الحداد من مخاطر المشروع قائلا "لو جرت الاستعانة بنقل مياه النيل، فهذا معناه انخفاض كميات المياه اللازمة لأنشطة الزراعة والصناعة والشرب في الوادي وهي أصلا تعاني الشح".

ويؤكد الحداد في حديثه للجزيرة نت أن المضي في هذا المشروع يعني كارثة اقتصادية على البلاد لن تقل خطورة عن كارثة تفريعة قناة السويس، التي اتسمت بالاهتمام بالمظهر على حساب الجدوى الاقتصادية ومصالح البلاد.

المصدر : الجزيرة