منصة "حقك تعرف".. هل تكافح الإشاعة بالأردن أم تنشرها؟

الحملة الترويجية لمنصة حقك تعرف في شوارع عمان (الجزيرة)
الحملة الترويجية لمنصة حقك تعرف في شوارع عمان (الجزيرة)

هديل الروابدة-عمان


 أطلقت الحكومة الأردنية منتصف أكتوبر/تشرين الأول الماضي منصتها الإلكترونية الرسمية "حقك تعرف" لمواجهة ما وصفته "تسونامي" المعلومات المضللة والأخبار الملفقة المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، وفق تعريف الحكومة لمبادرتها على موقعها الإلكتروني.

مبادرة منصة "حقك تعرف" جاءت على وقع حالة الانفلات المعلوماتية التي اجتاحت الأردن مؤخرا، جراء تعسر انسيابية تدفق المعلومات من مصادرها الرسمية لدى المواطنين.

وأدى ابتعاد الأجهزة الإعلامية للدولة ومؤسساتها عن دورها في أخذ السبق لنقل الوقائع والحقائق للأفراد، إلى فتح المجال أمام الاجتهاد الذي حول منصات التواصل الاجتماعي إلى بيئة خصبة للشائعات والمغالطات، التي كان آخرها ما انتشر عن هرب مستثمرين عقب إغلاق شركاتهم ومصانعهم بعد أن أرهقتهم الضرائب.

ويرى مراقبون ومحللون أن حالة الارتباك والتخبط في استقاء المعلومات والحقائق التي يعيشها الشارع الأردني هي مسؤولية الجانب الرسمي الذي تقع عليه واجبات ملحة في هذه المرحلة، عنوانها "الشفافية والمصداقية"، لوضع المواطن في صورة القرارات الاقتصادية والسياسية وإسكات لسان الشائعات وتجفيف منابعها.

وعبر وسم #حقك_تعرف الذي تصدر تويتر فور إطلاق المنصة رسميا، أمطر الأردنيون الحكومة بسيل من الأسئلة حول المديونية والموازنة العامة وأسعار المحروقات وقضايا الفساد، غير أن المنصة لاذت بالصمت حيالها، على حد تعبيرهم.

 واجهة الموقع الإلكتروني للمنصة (الجزيرة)

تشكيك
وانتقد ناشطون تسخير المنصة الإلكترونية للبحث عن إشاعات وتفنيدها بدلا من الإجابة عن تساؤلات المواطنين وقشع الضبابية حولها، بل إن بعضهم ذهب إلى التشكيك في أن الهدف منها هو خلق بوصلة توجه الشعب إلى الاتجاهات التي تريدها الحكومة.

فكتبت هديل خير الدين في تعليق لها على حساب المنصة الرسمي في موقع فيسبوك "خايفة تكون هالمنصة مش لتصحيح الشائعات بل لتوجيه تفكير الشعب بالاتجاه اللي بيناسب الحكومة".

في حين علق مواطنون على منشورات المنصة عبر حساباتها الرسمية، بأنهم لم يسمعوا عن بعض الإشاعات إلا بعد أن أعادت المنصة نشرها لتفنيدها، فكتب جاسر المهدي "صرت بس أقرأ منشوركم أروح أدور عالإشاعة" وكتب سفيان محمد نور "المنصة قامت بنفي إشاعات لم نسمع عنها مطلقا".

وكتب الصحفي أحمد الحراسيس في مقال له، إن المواطن غير قادر على الوصول إلى أي معلومة رغم توجيه عشرات الأسئلة المهمة إلى الحكومة، متسائلا عن دور الناطقين الرسميين والمكاتب الإعلامية في مختلف المؤسسات الحكومية والوزارات في التخاطب مع الشارع عقب إطلاق المنصة.

في حين أكدت الحكومة على لسان ناطقها الرسمي وزيرة الإعلام جمانة غنيمات إن فكرة هذه المنصة هي فقط مواجهة الإشاعات والأخبار الكاذبة والرد عليها بالحقيقة، مؤكدة أنها ليست بديلا عن الإعلام الرسمي وتحديدا وكالة الأنباء الأردنية، بحسب تصريحها لمواقع محلية.

المنصة تعيد نشر إشاعة اغلاق محامص الكرنك وهجرة مالكها وتفندها (الجزيرة)

فكرة إسرائيلية
وازداد الجدل حول منصة #حقك_تعرف عقب إثارة الصحفي جهاد أبو بيدر تساؤلات حول فكرة المنصة، وسبب تشابه اسمها مع اسم منصة أطلقتها وزارة العدل لدى الاحتلال الإسرائيلي عام 2010 بعنوان "حقك تعرف حقك".

وفي هذا الإطار يتحدث عضو مجلس نقابة الصحفيين خالد القضاة للجزيرة نت عن خطورة إطلاق المنصة منفردة بمعزل عن قوانين عصرية تعزز محاربة الشائعات، فبرأيه أن المنصة انقلبت على أهدافها وغدت مصدرا لنشر الإشاعة على نطاق أوسع مما كانت عليه من قبل، معزيا ذلك إلى آليتها المعتمدة على البحث عن الإشاعة وتفنيدها بدلا من البحث عن الحقائق ونشرها، على حد تعبيره.

وأردف قائلا "الأولى أن تتبع الحكومة منهجية الإفصاح الاستباقي الطوعي، وأن تنشر الحقائق قبل الطلب"، وهذا لن يتحقق إلا بوجود إرادة سياسية جادة ومُلزمة لتطبيقها، وفقا لرأيه.

قانون المعلومات
ويشير القضاة إلى أن صيغة قانون ضمان حق الحصول على المعلومة الذي أقرته الحكومة عام 2007 بهدف حماية حق المواطن في الحصول على المعلومات والحقائق، عززت شرعية حجب المعلومات لما تضمنته من قيود واستثناءات ومبررات لطلب المعلومات والمصطلحات الفضفاضة (كالمصلحة العامة، المصلحة العليا للدولة...)، وفق تصريحه للجزيرة نت.

ويصطف الرئيس التنفيذي لمركز حماية وحرية الصحفيين نضال منصور إلى جانب القضاة في رأيه بأن قانون حق الحصول على المعلومة كان "كسيحا" منذ يومه الأول.

ويعتبر الرئيس التنفيذي في حديثه للجزيرة نت أن القانون يتعارض مع المعايير الدولية لحق الوصول إلى المعلومات لأنه يفرض نطاقا من السرية بسبب استثناءاته الواسعة، ولا يملك صفة السمو على القوانين الأخرى، فقانون وثائق وأسرار الدولة له صفة السمو على قانون حق الحصول على المعلومة، على حد وصفه.

ويرى منصور أن على الحكومة تعديل القانون الذي سحبته من مجلس النواب بما يضمن انسيابية تدفق معلومات دقيقة وصادقة من مصادرها، وفقا لأولويات الشارع وتساؤلاته، دون ربط ذلك بالمصلحة المشروعة التي تحددها جهات إدارية بعينها.

وبالعودة إلى المنصة التي فندت منذ إطلاقها نحو 94 إشاعة، يقول منصور "غاب عن المنصة تتبع مصدر الشائعات، بدلا من حصرها بوسائل التواصل الاجتماعي"، ملمحا إلى احتمالية وقوف مسؤولين سابقين أو حاليين خلف بعضها، وفق قوله. ويذهب إلى اعتبار أن الخلل في طريقة بث الرسالة الإعلامية للجمهور، فتح باب التندر على مصراعيه على منصات التواصل الاجتماعي وولادة الشائعات.

ويبقى السؤال عن جدوى المنصات الحكومية في بلد يعاني من "تخمة" التشريعات الضابطة لوسائل الإعلام، بالإضافة إلى شح التصريحات أو حصرها في مؤسسات بعينها.

المصدر : الجزيرة