نيويورك تايمز وواشنطن بوست: هل تنقذ الهجرة أميركا من تراجع نسب المواليد؟

كاتبة: أميركا بحاجة لرفع وتيرة الهجرة من أجل تعزيز القوة العاملة وعافية الاقتصاد (رويترز)
كاتبة: أميركا بحاجة لرفع وتيرة الهجرة من أجل تعزيز القوة العاملة وعافية الاقتصاد (رويترز)

اهتمت اثنتان من الصحف الأميركية الكبرى -هما نيويورك تايمز وواشنطن بوست- بتدني نسب الولادة وتراجع عدد السكان في الولايات المتحدة، وتساءلت إحداها عما إذا كانت ظاهرة الهجرة الجماعية قادرة على حل الأزمة.

ففي مقال بصحيفة نيويورك تايمز، كتبت كبيرة المحللين بمؤسسة "ريزون" شيخة دلميا، تقول إن الخوف من الهجرة الجماعية ليس سوى "خرافة" بكل المقاييس، ذلك لأن الواقع يؤكد حاجة أميركا الماسة إلى رفع وتيرة الهجرة من أجل تعزيز القوة العاملة ولعافية الاقتصاد.

وتنقل الكاتبة عن تقرير لمركز بيو للأبحاث أن زهاء 44 مليون شخص في الولايات المتحدة مولودين من آباء أجانب، وهم يشكلون ما نسبته 13.7% من إجمالي عدد السكان، ويقترب ذلك الرقم من أعلى نسبة في التاريخ وهي 15% وسُجلت مطلع القرن العشرين.

فلماذا يُعد ذلك أساسا ذا دلالة للمقارنة؟ تتساءل شيخة دلميا قبل أن تعزو السبب إلى أن الولايات المتحدة -تحت وطأة الضغوط من جانب المناوئين للهجرة ونقابات العمال- فرضت وقتها ضوابط صارمة عند الحدود، منهية بذلك سياسة الحدود المفتوحة التي كانت سائدة حتى ذلك الحين.

قانون الحصص
وتشير الكاتبة إلى أن قانون جونسون ريد حدد حصة سنوية لكل دولة يمكن بموجبها قبول مهاجرين منها، وهي 2% من عدد سكان هذا البلد الذين يعيشون في الولايات المتحدة اعتبارا من تعداد 1890.

وكان الغرض من ذلك التشريع خفض معدلات الهجرة وخاصة من أوروبا الشرقية وآسيا، وقد حققت تلك السياسة نجاحا مذهلا، على حد تعبير المقال.

غير أن الكونغرس -بحسب الكاتبة- ألغى في نهاية المطاف تلك الحصص في عام 1960، والتي اعتبرت فيما بعد ذات طابع عنصري، فكان أن ارتفعت من ثم وتيرة الهجرة.

وتمضي نيويورك تايمز في لفت الانتباه إلى أن الولايات المتحدة احتلت المركز الـ34 من حصة المواليد الأجانب، من بين خمسين دولة غنية يزيد نصيب الفرد فيها على عشرين ألف دولار من الناتج المحلي الإجمالي.

وبرأي الكاتبة، فإن حقيقة الأمر أن أميركا دولة ذات معدل هجرة متدن، والاتجاهات الديمغرافية (السكانية) تشير إلى وجود أزمة طاحنة في العمالة بالولايات المتحدة، ستكون عقبة أمام النمو ما لم تفتح البلاد أبوابها على مصاريعها.

خرافة الهجرة
لقد بدا جليا منذ مدة طويلة أن انخفاض نسب المواليد من الأميركيين البيض يعني أن أعداد الأجيال القادمة بعد الألفية الثالثة ستتقلص أكثر فأكثر كما هو متوقع.

وخلال الفترة من عام 2015 حتى 2030، فإن عدد الأميركيين في سن العمل المنحدرين من آباء من أهل البلد، مرشح للتناقص ثمانية ملايين شخص.

بل إن مكتب الإحصاء الأميركي عدل بهدوء في عام 2017 توقعاته لتعداد السكان في عام 2050، وجاءت بانخفاض خمسين مليون نسمة مقارنة بإحصائيات عام 2008.

سياسة ترامب بشأن الهجرة لا تستجيب لاحتياجات سوق العمل الأميركي ( رويترز)

وتتساءل الكاتبة مرة أخرى عن السبب في ذلك، فتعزوه إلى أن الهجرة من المكسيك تراجعت بعد حقبة الكساد العظيم، كما أن معدلات الخصوبة لدى المنحدرين من أصول أميركية لاتينية انخفضت بنحو الربع.

واستنادا إلى تلك البيانات، تنصح شيخة دلميا الولايات المتحدة بضرورة السماح بدخول مليون مهاجر إضافي كل عام -أي أكثر من ضعفي العدد الحالي- من الآن حتى عام 2050.

وتختم الكاتبة مقالها بنبرة ساخرة، تقول فيها إن الخوف من ظاهرة الهجرة خرافة ينبغي وأدها قبل أن تئد هي الحلم الأميركي.

الثروة الحقيقية
وتناولت صحيفة واشنطن بوست مسألة تراجع نسبة المواليد من الأميركيين أهل البلاد من زاوية اقتصادية بحتة. ففي مقال لكاتبة عمود الرأي ميغان مكاردل، تساءلت الصحيفة: هل تنقذ الهجرة الولايات المتحدة من أزمة معدل المواليد؟

وتستهل مكاردل المقال بالتأكيد على أن البشر هم أساس ثروة أي مجتمع في العالم، وتقول إن هذه حقيقة في أسمى معناها الروحي وجانبها المالي المحض.

فالآخرون -وتعني بهم الأجانب- ينتجون السلع الاقتصادية ويدرون لخزينة الدولة عوائد ضريبية تبقيها على قيد الحياة.

وكأي مورد آخر، فإن تلك الثروة بحاجة إلى التجديد بالاستثمار فيها بشكل متواصل، ذلك لأن المجتمع الذي يحجم عن تجديد نفسه أشبه ما يكون بطفل ظل يستنزف ما ادخره له أبوه من ودائع مالية في البنوك حتى قضى عليها تماما، ولم يستطع بعدها سداد مديونياته.

وساقت مكاردل ذلك المثال لتقول إن العالم الثري برمته بات الآن في تلك الدوامة باختلاف مراحلها، مشيرة إلى أن ثلاث دول غنية فقط -هي الولايات المتحدة ونيوزيلندا وآيسلندا- كان متوسط إنجاب نسائها في عام 2000، طفلين أو أكثر من للمرأة الواحدة.

كاتبة أميركية: البشر هم أساس ثروة أي مجتمع في العالم، وهذه حقيقة في أسمى معناها الروحي وجانبها المالي المحض، فالأجانب ينتجون السلع الاقتصادية ويدرون لخزينة الدولة عوائد ضريبية

وتضيف مكاردل أن نيوزيلندا وحدها من بين تلك الدول هي التي ما زالت تجدد نفسها بمزيد من المواليد. وقد انخفض متوسط الإنجاب لدى النساء في أميركا إلى 1.76 طفل للمرأة الواحد، طبقا لإحصائية حديثة.

وتمضي الكاتبة لتؤكد أن الولايات المتحدة لا تزال بحاجة إلى أيدٍ عاملة كافية حتى تتمكن من إعالة متقاعديها، قبل أن تنال منهم الفاقة والعوز.

الحل المقترح
وتنصح مكاردل المجتمعات التي تواجه شيخوخة سكانها بتوظيف فوائضها المالية لتسديد أقساط مديونياتها، والتخطيط لحياة عملية أطول لهم. غير أنها تستدرك قائلة إن أيا من تلك المجتمعات بالكاد مستعد على ما يبدو للعمل بتلك النصيحة.

وتقترح الكاتبة ثلاثة بدائل في هذه الحالة تتمثل في زيادة نسب المواليد عبر الدعم الأسري، وتعزيز الابتكار لتحقيق إنتاجية أعلى لمواجهة تدني أعداد القوى العاملة، وسد النقص في تعداد السكان عبر السماح بالهجرة إلى البلاد.

إنّ الحل للمشكلة السكانية التي تؤرق الولايات المتحدة قد تكمن في انتهاج سياسة للهجرة مختلفة تماما عن السياسة الحالية، كأن تتبنى الدولة نظام النقاط المتبع في بلدان مثل كندا وأستراليا التي تختار المهاجرين إليها بناء على إتقان معقول للغة الإنجليزية ومدى قدرتهم على المساهمة في النظام الضريبي.

أما سياسة لمّ شمل عائلات المهاجرين التي تميزت بها الولايات المتحدة وعززت انحيازها التاريخي للمهاجرين ذوي المهارات المتدنية، فينبغي الحد منها تماما، بحسب تعبير مكاردل.

والخبر السعيد في نظر الكاتبة، أن الأزمة الديمغرافية تتحرك بوتيرة شديدة البطء أشبه بنهر جليدي.

بيد أن الأزمات السكانية -كما الأنهار الجليدية- يتعذر تقريبا كبحها بمجرد أن تبدأ الحركة. لذا، فإن على الولايات المتحدة أن تدرس الخيارات المتاحة أمامها في حال لم تسترد معدلات المواليد عافيتها قريبا، وفق الكاتبة.

المصدر : نيويورك تايمز,واشنطن بوست