سمسار ورشوة.. سبيلك لإنجاز أي معاملة في اليمن

الرشوة باتت سلوكا وثقافة اعتاد عليها الجميع في اليمن (مواقع تواصل)
الرشوة باتت سلوكا وثقافة اعتاد عليها الجميع في اليمن (مواقع تواصل)

صنعاء-خاص

تردد مشتاق علوان على كلية التجارة في جامعة صنعاء مرارا ليستخرج شهادته الجامعية بعد أن حصل على درجة البكالوريا، لكنه اصطدم بإجراءات إدارية معقدة قد تستمر أشهرا، وحينها سيكون موعد تقديمه لمنحته الدراسية قد انتهى.

وبعد أسبوعين من مراجعته الدائمة لمكتب شؤون الطلاب في الكلية، همس في أذنه أحد الموظفين "تريد الشهادة بسرعة، سأتعاون معك لأن المنحة مهمة".

أحس مشتاق بما يرمي له الموظف، وكان أيضا قد وصل إلى قناعة بأنه لا بد من الاستعانة بأحد لينجز معاملاته الإدارية مقابل مبلغ مادي، وبعد مفاوضات اتفقا على أن يدفع مبلغ 20 ألف ريال (40 دولارا).

حرص الموظف على التأكيد أن تكاليف استخراج الشهادة الجامعية تكلف أحيانا 40 ألف ريال (80 دولارا)، لكن "لأن ظروفك صعبة قبلت هذا المبلغ، وهو ليس لي وحدي فكل موظف يريد حقه".

لا رواتب
ومنذ اندلاع الحرب في اليمن مطلع 2015، انهارت المؤسسات الحكومية وتوقفت تماما عن العمل، وبعد أشهر استؤنف العمل من جديد، غير أن العشوائية والبيروقراطية كانت السمة المشتركة لسير العمل في الجهاز الإداري.

طوابير طويلة لا تنتهي أمام مصلحة الجوازات في مأرب استثمرها سماسرة في كسب المال (مواقع تواصل)

وأضحى من المألوف جدا أن يبحث أي شخص بداية عمن يعمل في الجهة الحكومية التي سيقضي فيها معاملته، ومن ثم يفتش عمن له صلة بتلك الجهة، ليُيسر إنجاز معاملاته.

وضاعف انقطاع رواتب نحو مليون ومائتي ألف موظف حكومي منذ نوفمبر/تشرين الأول 2016 في تفشي ظاهرة الرشوة التي تحولت في المفهوم الشعبي إلى "أتعاب"، فالموظفون يرون أن ما يُقدم لهم من أموال مقابل إنجاز الأعمال، أمر لا بد منه كونهم يعملون دون راتب.

ويقول الضابط في مصلحة الأحوال المدنية بصنعاء عبد العزيز عبد الله إن توقف الرواتب جعل الموظفين يمدون أيديهم لطلب رشى، من أجل أن تستمر حياتهم ولتوفير ما يسدون به جوع أطفالهم في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وغلاء الأسعار، "فقد أذلت الحرب من كان عزيزا".

ويضيف "كنت لا أسمح لنفسي أن أستلم رشوة من أي شخص، لكن الآن أقبل، وبعض الزملاء لا ينجزون أي مصلحة إلا في حال دفع المواطن مبلغا معينا".

تجارة منظمة
الحال وحده لا يسير على القطاع العام في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، بل تحول إلى سلوك معتاد في المناطق الخاضعة لسلطة الحكومة اليمنية أيضا، والتي يحظى فيها الموظفون بظروف أفضل، حيث يتسلمون رواتبهم بصورة منتظمة.

وقد عاد العمل في بعض المصالح الحكومية التي أُغلقت بسبب الحرب قبل أربعة أعوام، لتكون هي الوجهة الوحيدة لليمنيين خصوصا فيما يتعلق بالجمارك والضرائب واستخلاص الوثائق وغيرها.

ونجم عن ذلك ازدحام شديد، لتهيئ الظروف الجديدة مساحة خصبة لآلاف من السماسرة الذين استغلوا حاجة الناس ليجنوا منها المال مقابل إنجاز معاملاتهم.

جواز سفر يمني (الجزيرة)

وفي مدينة مأرب، اضطر رشيد صالح لأن يدفع 170 ألف ريال (340 دولارا) لأحد السماسرة، مقابل استصدار ثلاثة جوازات سفر من المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، بعد إيقاف العمل بالجوازات الصادرة من سلطات الحوثيين.

وقبل اندلاع الحرب، كان إصدار الجواز يكلف 4500 ريال (9 دولارات فقط) مقابل رسوم حكومية.

ويقول رشيد للجزيرة نت "بقيت في صنعاء، ولو كنت سافرت إلى مأرب سأخسر ضعف المبلغ في السكن بفندق ومصاريف ومتابعة يومية ودفع رشى، لكن السمسار أوصل جوازي إلى منزلي وأنا في صنعاء دون تعب".

من جهته، يقول أحد السماسرة للجزيرة نت -مفضّلا عدم الكشف عن هويته- إن الوضع الجديد فرض على اليمنيين أسلوبهم للحياة، ويضيف "بالمال كل شيء يسير وفق ما تريد، وحتى حين توفر الدولة والنظام سيسير ذلك أيضا وفقهما".

سلوك قديم
في المقابل، فإن من يدفع ثمن هذه الظاهرة هم الآلاف من الفقراء الذين لم يتمكنوا من مجاراة هذه الحياة.

ويقول معاذ الخضر -وهو سائق دراجة نارية بالأجرة- إنه لم يتمكن من سحب دراجته من إدارة المرور في صنعاء، لكونه لم يستطع أن يدفع لرجال المرور مبلغا ماليا مقابل تغاضيهم عن مخالفته.

ويضيف للجزيرة نت "أعرف أنهم محتاجون وفقراء، لكن أنا مثلهم لا أملك مالا".

وعززت الرشوة مظاهر الفساد في البلد الأفقر في الجزيرة العربية. فوفق آخر تقرير أصدرته منظمة الشفافية الدولية، فإن اليمن يحتل المركز 175 دوليا، كأكثر دول العالم فسادا.

العزعزي: الاعتماد على السمسار والرشوة في العمل الحكومي ليس أمرا طارئا (الجزيرة)

سلوك ممتد
ويرى الدكتور في كلية العلوم الاجتماعية وكلية الإعلام بجامعة صنعاء وديع العزعزي، أن الاعتماد على السمسار والرشوة في العمل الحكومي ليس أمرا طارئا نتيجة غياب الدولة والظروف التي تعيشها البلد، بل هو سلوك مشين ممتد ومتراكم من فترة طويلة.

ويقول "مع بداية حكم الرئيس السابق علي عبد الله صالح، تحول ذلك إلى ثقافة رسخها النظام، وبالتالي أصبحت من معالم الفساد الرئيسية لتلك المرحلة، والسبب يكمن في تعطيل سلطة القانون ومعايير اختيار الكفاءات في مواقع الدولة المختلفة وانعدام الوازع الديني والأخلاقي".

ويقول الأكاديمي إن ذلك سيتأصل في المجتمع حتى توجد قيادة وطنية واعية ومخلصة في مختلف مؤسسات الدولة، ترفض هذا السلوك الفاسد وتفعّل القوانين، وهو مرتبط أيضا بالأدوار المجتمعية لوسائل الأعلام ومنظمات المجتمع المدني في نبذ هذا السلوك وفضح من يمارسه.

المصدر : الجزيرة
كلمات مفتاحية: