جرحى الثورة في تونس.. محن يفاقمها التهميش

جرحى الثورة نددوا بما أسموه سياسة التهميش بعد الثورة (الجزيرة)
جرحى الثورة نددوا بما أسموه سياسة التهميش بعد الثورة (الجزيرة)

خميس بن بريك-تونس

يجُرُّ جريح الثورة الثلاثيني فؤاد العجيلي جسده النحيف المثقل بالهموم مستعينا بعكازين، بينما يتدلى جزء من ساقه اليسرى المبتورة بسبب رصاصة أعاقته كأمثاله من جرحى الثورة الذين أوقدوا الاحتجاجات على نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي، قبل أن يكافؤوا بالإهمال بحسب وصفهم.

يشق فؤاد طريقه مع الزاحفين نحو شارع الحبيب بورقيبة في الذكرى الثامنة للثورة التي توافق 14 يناير/كانون الثاني. وبينما جاء كثيرون للاحتفال، حضر فؤاد وغيره من جرحى الثورة للتذكير بمعاناتهم جراء إفلات جلاديهم من المحاسبة ومماطلة السلطات في نشر قائمة الضحايا.

منذ أن بترت ساقه من فوق الركبة جراء إصابته برصاصة من سلاح جندي في مدينة المسعدين بولاية سوسة يوم 15 يناير/كانون الثاني 2011 وفق قوله، خسر هذا الشاب نعمة المشي على القدمين، وفقد عمله في ورشة لجمع الخردة وبقي متروكا دون مورد رزق يعيل به نفسه ووالديه الكبيرين.

قائمة محجوبة
يتساءل فؤاد بامتعاض شديد عن سبب مماطلة السلطات التونسية -وعلى رأسها رئاسة الجمهورية- في نشر القائمة النهائية لضحايا الثورة، رغم أن الرئيس الباجي قايد السبسي أقرّ في عيد الثورة يوم 14 يناير/كانون الثاني بأن القائمة جاهزة، دون أن يفصح عن موعد الكشف عنها.

‪أحد جرحى الثورة الذين شاركوا بالمظاهرة في شارع بورقيبة‬ (الجزيرة)

ونفذت عائلات ضحايا الثورة وقفة احتجاجية قبل أيام أمام مبنى رئاسة الحكومة للمطالبة بنشر القائمة النهائية للضحايا بالرائد الرسمي (المجلة الرسمية)، لكن القائمة بقيت محجوبة بالرغم من أن الهيئة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية أنهت إعدادها وسلمتها لرئاسة الدولة والحكومة والبرلمان.

ومنذ بدء الاحتجاجات في 17 ديسمبر/كانون الأول 2010 حتى انتهائها بسقوط النظام السابق مطلع 2011، أحصت لجنة تقصي الحقائق حول الانتهاكات 338 قتيلا و2147 جريحا؛ في المقابل تلقت الهيئة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية 7749 ملفا، منها 386 ملفا يتعلق بالقتلى.

ويسعى الجريح فؤاد كغيره ممن بترت أرجلهم جراء إصابتهم بالرصاص، لانتزاع اعتراف رسمي بصفته جريح ثورة، لجبر أضراره ومنحه وظيفة على الأقل يحمي بها أسرته من شبح الفقر المدقع.

وفي مايو/أيار 2018، أقدم هذا الشاب على محاولة الانتحار خارج مبنى رئاسة الحكومة بشرب أقراص مبيدة للفئران، لكنه نقل على وجه السرعة للمستشفى حيث أنقذه الأطباء. ويقول للجزيرة نت إن مماطلة الحكومة بتمكينه من العمل دفعه لليأس من الحياة.

إفلات من العقاب
قرب تمثال ابن خلدون الشامخ وسط شارع الحبيب بورقيبة حيث أحيت بعض الأحزاب الذكرى الثامنة للثورة وسط أهازيج الأغاني وتلاوة القصائد، وقف فؤاد قرب رفيقه مسلم قصد الله، أحد أبرز وجوه جرحى الثورة المعروف بخطابه الساخط على الحكومات المتعاقبة بعد الثورة.

‪جريح الثورة مسلم قصد الله: جرحى الثورة يعاقبون‬  (الجزيرة)

كان مسلم يمسك عكازيه بيديه، ويضع رجله اليمنى المبتورة من فوق الركبة فوق العكاز الأيمن، بينما تعالى صوت حنجرته عاليا شاقا صخب الأغاني، منددا بتدهور الظروف الصحية والنفسية والاجتماعية لجرحى الثورة الذين يعاقبون اليوم لوقوفهم أمام النظام السابق، وفق تعبيره.

أصيب مسلم قصد الله يوم 15 يناير/كانون الثاني 2011 برصاص أعوان شرطة في مدينة الوردانين بولاية سوسة، ومع ذلك لم يصدر أي حكم قضائي من المحكمة العسكرية تدين جلاديه الذين أفلتوا من العقاب بكل سهولة، بل كوفئوا بالترقيات داخل وزارة الداخلية، كما يقول.

وكغيره من شباب الثورة الجرحى، يتوجه مسلم كل صباح إلى مقهى الحي. وبين رشفات القهوة ودخان ينفثه بعنف من سجائره، تظهر تقاسيم وجهه متجعدة وشاحبة، فيما تشي تعابير الغضب على وجهه الأسمر بتردي وضعه النفسي، في ظل التعطل المتواصل لملف الجرحى بعد الثورة.

يعمل مسلم حارسا في أحد المساكن الجامعية في بلدته براتب لا يتجاوز 150 دولارا، وبسبب ضيق الحال وإعاقته الدائمة أصبح يشعر بما يصفه بأنه "مرارة الاحتقار واليأس من الحياة"، ويقول إنه بات مدمنا على الأدوية المهدئة للأعصاب.

عقاقير مخدرة
ووسط حلقة صغيرة من مواطنين مساندين لقضيتهم، يصيح مسلم بأعلى صوته متهما الحكومات المتعاقبة بأنها عاقبت ضحايا الثورة بإفلات القناصة ومطلقي الرصاص عمدا على المتظاهرين من العقاب، وجعل جرحى الثورة يدمنون على العقاقير المخدرة وتهميش قضيتهم.

‪جرحى الثورة خلال تظاهرهم في شارع الحبيب بورقيبة‬  (الجزيرة)

وأطلق نشطاء على منصات التواصل الاجتماعي مؤخرا حملة بعنوان "سيب القائمة" (انشر القائمة)، في دعوة للسلطات التونسية بنشر قائمة قتلى الثورة وجرحاها. ويقول القائمون عليها إن هناك إرادة سياسية تتملص من نشر تلك القائمة إمعانا في احتقار الشباب الذي ثار على الظلم والقهر.

ويقول منسق هذه الحملة علي المكي للجزيرة نت إن الحكومات المتعاقبة بعد الثورة انتهجت نفس المنهج في ملف ضحايا الثورة، وهو ترسيخ سياسة الإفلات من العقاب لفائدة المتورطين في قتل المتظاهرين وعدم الاهتمام بجرحى الثورة صحيا أو حتى الإحاطة بهم نفسيا.

وفقد علي شقيقه في منطقة دقاش بمحافظة توزر (جنوب غرب) يوم 14 يناير/كانون الثاني 2011، ورغم مماطلة السلطات حسب وصفه، يواصل منذ سنوات الدفاع عن حق شقيقه وبقية الجرحى، قائلا "مثلما ضحى أبناؤنا بأجسادهم من أجل الحرية، سنواصل نحن النضال لاسترداد حقوقهم الضائعة".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

عبر عدد من أهالي ضحايا وجرحى الثورة في تونس عن امتعاضهم مما اعتبروه إهانة لهم من قبل الرئيس الحالي الباجي قايد السبسي خلال مراسم الاحتفال بالذكرى الرابعة للثورة أمس الأربعاء.

رغم مرور ثلاث سنوات على الثورة الشعبية في تونس فإن عائلات القتلى والجرحى لا تزال تخوض معركة صعبة من أجل الكشف عن حقيقة قتلة أبنائها، مشتكية من غياب محاكمة عادلة من قبل القضاء العسكري الذي يشرف على هذه القضايا.

أوشكت الثورة التونسية التي أطاحت بنظام زين العابدين بن علي أن تطفئ الشمعة الثالثة من عمرها، ومع ذلك فإن جراح أهالي ضحايا الثورة -الذين دفعوا حياتهم ثمنا للحرية وطمعا في حياة أفصل- لم تندمل بعد، ولم تطفئ نيران غضبهم.

المزيد من أزمات
الأكثر قراءة