عـاجـل: مصادر للجزيرة: القوات السعودية والموالون لها يدفعون بتعزيزات إلى مديرية شحن في محافظة المهرة شرق اليمن

إسماعيل.. غزاوي يروي رحلة تهريبه إلى الجزائر

فاطمة حمدي-الجزائر

بيد خشنة مشققة، يمسك إسماعيل جواز سفره الفلسطيني، بعينين تلمعان ليس أملا وإنما بفعل الدموع وهو يروي احتراق قلبه على بعد أبنائه الأربعة، يحاول الشاب أن يختصر قصة خروجه من عزة وطريق الموت التي اتخذها ليصل إلى الجزائر.

"الاسم إسماعيل، المستوى الدراسي دكتوراه معاناة، المهنة باحث عن الحياة، الهواية السباحة ضد تيار اليأس، الحالة الاجتماعية متزوج وأب لأربعة أحلام، الجنسية فلسطيني باحث عن الوطن، العنوان لا مكان".

بهذه الكلمات يختصر الشاب الفلسطيني سيرته الذاتية وهو يكتبها على ظهر أوراقه الثبوتية، يقول إن "هواه وهويته على أرض مقدسة نهبت واغتصبت على مرأى الجميع وتحت تصفيقات الجميع، فما الفائدة من أوراق بلّلها النفاق السياسي؟".

يرفض الشاب الفلسطيني، الحديث عن الأحلام، يقول "حرمونا من الواقع.. فما بالك بالأحلام؟"، يئس من قهر الرجال. يخوض في صعوبة الحياة في غزة وكيف بات السهل البديهي في دول أخرى، حلما صعب المنال في القطاع.

بوابة الحلم 
قرر إسماعيل مغادرة قطاع غزة، خرج ليلا من منزله، عن قصد لم يودع أبناءه. يقول إن زوجته ترفض تماما مغادرته، في حين أصر هو على الهجرة كي يوفر حياة كريمة لها ولأولادهما، حتى ولو كانت الخطوة مغامرة بحياته.

خرج إسماعيل يوم 23 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، رفقة عدد من أصدقائه إلى مصر، بعدما أصبح المعبر يفتح بشكل شبه يومي منذ أشهر، ثم منها توجهوا نحو موريتانيا.

يبتسم بأمل وهو يتحدث عن هذه الدولة التي وفرت على الفلسطيني معاناة التنقل بين القنصليات للحصول على التأشيرة، يكفي أنك تحمل الجواز الفلسطيني لتحصل على التأشيرة فورا في مطار نواكشوط الدولي.

لم يكن الوصول إلى موريتانيا هدف إسماعيل وأصدقائه، بل الجزائر كمنطقة عبور للبعض منهم نحو أوروبا، وللبعض الآخر المستقر.

تواصل الشباب الفلسطيني قبل خروجهم من القطاع مع المهرب الموريتاني الذائع الصيت لدى الغزّيّين، ولد الشيخ، الذي أكد لهم عبر "الفايبر"، أنه سيضمن لهم الوصول إلى الأراضي الجزائرية من موريتانيا عبر مالي.

قافلة الأموات
كان في استقبال إسماعيل ورفاقه بمطار نواكشوط "ولد الشيخ" الذي كان يتواصل معهم قبل أن يتخذوا قرار الخروج من غزة، حيث بقوا في منزله يومين متتالين بالعاصمة الموريتانية.

إسماعيل يروي ما أسماها رحلة البحث عن الكرامة (الجزيرة)

كلّف تهريب الشباب الفلسطيني من موريتانيا نحو الجزائر عن طريق مالي حوالي ألف دولار، يقول إسماعيل إنها تكلفة عالية خاصة أن مخاطر الطريق كانت أكبر بكثير مما توقعوا، حسب الضمانات التي كان يحاول أن يعطيها ولد الشيخ.

يقول إسماعيل إن الخوف بدأ مع أذان صلاة العشاء حين دخل عليهم ولد الشيخ ليخبرهم أنه حان وقت المغادرة، حيث واجهوا الموت أكثر من مرة، لا يسمع فيها سوى أصوات الغراب وبعض من ريح الخوف، خاصة في الليل أين كانوا يترقبون الخطر يداهمهم في أي لحظة.

مفترق الفلسطينيين
يصف إسماعيل لحظة وصوله ورفاقه للأراضي الجزائرية، يقول إنه شعر بالأمان أخيرا، بعد رحلة شاقة دامت ستة أيام قطعوها في الصحراء الخالية، يستغرب إسماعيل من حنكة ولد الشيخ في معرفة الطريق رغم خلوها من أي مؤشرات.

إسماعيل رفقة رئيس رابطة حقوق الإنسان الجزائري (الجزيرة)

افترق الشباب الفلسطيني بعدما وصلوا لمنطقة المنيعة، حيث جرى "القبض عليهم" من قبل الدرك الجزائري، والتأكد من هويتهم، ليطلق سراحهم بورقة تسمح لهم بالتنقل في ولايات الجزائر.

يعيش إسماعيل اليوم نهاية شهره الأول في بلد البصمة، وهو المصطلح الذي تستخدمه الأمم المتحدة لتحديد وجهة طالب اللجوء، فحسب قانون جنيف الأخير يفرض على الدولة التي بصم فيها المهاجر غير النظامي أن تحتضنه.

يتنقل بين مفوضية اللاجئين بالأمم المتحدة في العاصمة الجزائر والرابطة الوطنية لحقوق الإنسان، حيث رافقته الجزيرة نت في لقائه مع المحامي والحقوقي عبد الغني بادي، الذي أعطاه التوجيهات اللازمة لنيل اللجوء في أقرب الآجال.

مقبرة جماعية
يبتسم إسماعيل وهو يروي يومياته التي كان يكابدها في القطاع، يقول إنه ولد ليحارب "حاربت الفقر والمرض والحرب والفقدان، حاربت الحياة، ولا أزال أحارب كي يعيش أبنائي حياة أفضل من التي عشتها".

يرى الشاب الفلسطيني أنه "مجرد وزن زائد على الكرة الأرضية"، يستخدم التعبير وهو يضحك ضحكة الانهزام، يقول إنه لم يعش يوما واحدا بعد ثلاثين سنة من كتابة اسمه في سجل المواليد بخان يونس".

يتذكر إسماعيل سنواته الست التي قضاها عاملا في الأنفاق في غزة، يرى أنه كان مسجونا تحت الأرض ليوفر لقمة العيش اليومي، يصف تفاصيل يومه وهو يضع يده على رقبته كمن يختنق، يقول "لا أستطيع أخذ أنفاسي وأنا أسترجع لحظات الهجوم علينا بالغاز ونحن تحت الأنفاق تلك".

فلسطيني في أحد الأنفاق في غزة (رويترز)

كانت مهمة إسماعيل الأساسية تحت الأنفاق تهريب المواد الغذائية. يقول إنه في كل مرة كان ينزل النفق يودع سماء غزة، اعتقادا منه أنه آخر يوم له، يستغرب كيف لا يزال على قيد الحياة رغم أنه دخل الغيبوبة ثلاث مرات في فترة عمله بالأنفاق.

لا يهاب الشاب الغزاوي الموت، لأنه يحاول استفزازها في كل مرة. كان مشوش الحركات، يتجنب النظر للمارة وهو جالس بباحة مقام الشهيد بـالجزائر العاصمة.

يطلق إسماعيل زفيرا طويلا فيرسم غيمة في الهواء، بفعل حرارة جسمه الملتهب التي صادفت هواء الجزائر البارد، على باب شفاهه المتورمة المشققة بسبب التعب، يحكي عن الحياة في غزة فيقول إنها تشبه أي شيء.. إلا الحياة.

لا توحي بعض التجاعيد على وجه الشاب الغزاوي بربيع عمره ولا الشيب الذي بدأ يغزو شعره ولا صوته المرتعش، كل تفاصيله تشبه الشيخ وهو يترجل الحياة، يرى أن الهدف الرئيسي من حياته اليوم هو أن ينتصر بسلام لماضيه.

بأربعة أرواح
تقول الأسطورة الجزائرية إن القط يملك سبعة أرواح، ذلك أنه لا يموت إلا بعد المواجهة السابعة مع الموت المحقق. يرى إسماعيل أنه لا يختلف عن القط، سوى أن الأخير يكافح من أجل الانتصار على الموت.. أما هو "إسماعيل" فلا .

مقر الهلال الأحمر الجزائري (الجزيرة)

بنبرة غير المفتخر، يقول إنه لم يهرب يوما من الموت، بل كان دائم "التحرش" به، نجا من ثلاث حروب، هي أكثر الحروب شراسة. نجا من صواريخ الأف 16 الفتاكة، التقط الشظايا المتطايرة من زجاج منزله وجعل منها معرضا في بيته.

يحاول إخفاء دموعه وهو يصف مشهد سماع صوت القاذفات وهي تسقط في البناية المجاورة له برفح، حيث استشهد 23 فردا من بيت زعرب، واحدة من أشنع المجازر التي شهدتها الحروب على غزة.

يصف ردة فعل ابنته التي لم يتجاوز عمرها خمس سنوات في حرب 2014، فيقول إنها دخلت في حالة هستيرية من الضحك.

إسماعيل في العاصمة الجزائرية يرمق أحد شعابها (الجزيرة)

لا يزال يستغرب مشهد ابنته، التي وصفها بفقدان عقلها "الصغير" لمدة أيام بعد ذلك القصف، يقول إنه لم يعد له شيء يخيفها بعد ذلك الحين وأنها -وهي ابنة الـ11 سنة اليوم- وصلت لحالة اللامبالاة تجاه كل ما يمكن أن يحصل مهما كان مريبا.

فقد إسماعيل في حرب 2008، ثلاثة أشخاص من عائلته، حمل بيده جثة ابن عمه وصديقه الذي تربى في بيته من تحت الأنقاض وهي ممزقة في حرب الأيام الثمانية سنة 2012. وفي رمضان 2015 صام عن الحياة يوم أدرك أن الحرب في القطاع "سنة" صهيونية مؤكدة.

عنق الزجاجة
لا ينسى الفلسطيني قضيته مهما ابتعد، ومهما ضاق به الحال. يبرّر إسماعيل وهو ضائع في الحكم على نفسه، فيما تعلق بخيار مغادرة غزة نحو الجزائر، فلا يزال ينتظر القرار النهائي لضميره الوطني ليفصل في القضية.

في مقام الشهيد يتفقد إسماعيل أوراقه الثبوتية (الجزيرة)

بين براءة الذمة بسبب الهرب من وضع غير إنساني مفروض على سكان القطاع منذ ما يزيد عن عقد، وبين حكم بالمؤبد بالأشغال الشاقة للضمير، بتهمة الهرب من وطن جريح بحاجة لأبنائه، يتخبط إسماعيل انتظارا للنطق في قضية الحال.

يروي الشاب الفلسطيني معاناته في انتظار دوره، للخروج من القطاع عبر معبر رفح المغلق منذ سنوات، الذي يفتح فقط في وجه المرضى مرة كل ثلاثة إلى أربعة أشهر، فبين عشرات الآلاف من استمارات طلب الخروج تقبل 400 حالة.

يشبه إسماعيل المعبر بالقمع الضيق المسلك، فيقول إن المآسي الإنسانية التي كتبت في نهاية ذلك القمع أفظع من القصف، "فللموت أشكال عدة في غزة، منها الجسدي وهو الأسهل والروحي وهو الأصعب لذلك كلنا أموات سلبوا أرواحنا قبل أجسادنا".

يقول إسماعيل إن الخروج من معبر رفح كالخروج من عنق زجاجة مسدودة، "يعافر الغزّاوي للخروج من القطاع، ليواعد الحياة ولو مرة واحدة، ويجد أن كل السبل لا تؤدي إلا للعودة للقطاع، لأن الجميع لا يرغب في استقبالنا".

المصدر : الجزيرة