الأسد على خطى السادات.. قاطعه العرب عقدا ثم سامحوه

الأسد يزور جنوده في خندق تحت الأرض بمنطقة جوبر على أطراف دمشق عام 2015 (رويترز)
الأسد يزور جنوده في خندق تحت الأرض بمنطقة جوبر على أطراف دمشق عام 2015 (رويترز)

أحمد دعدوش

عندما واجه النظام السوري الاحتجاجات السلمية في 2011 بالرصاص والتعذيب، لم تجد الدول العربية بداً من مقاطعته، لا سيما مع تواصل التنديد الغربي بوحشية النظام، حتى اضطرت الحكومات المتحفظة كالعراق والجزائر ولبنان إلى "النأي بالنفس" كحد أدنى، لكن رجحان كفة النظام عسكريا على أنقاض البلاد دفع المقاطعين -كما يبدو مؤخرا- لإعادة حساباتهم.

تذكّرنا هذه المواقف بمقاطعة العرب لمصر عام 1978، عندما قرر الرئيس أنور السادات اتخاذ مساره الخاص والتطبيع المفاجئ مع إسرائيل، فتم تعليق عضوية مصر في جامعة الدول العربية ونقل مقر الجامعة من القاهرة إلى تونس، الأمر الذي تلقاه السادات بتوجيه البوصلة كلها نحو واشنطن.

وخلال السنوات العشر التالية، لم تحظ محاولات الوحدة العربية المستعيدة لتراث جمال عبد الناصر سوى بالفشل، بينما لم يحد السادات –وحسني مبارك من بعده- عن موقفهما، حتى تنازل العرب أخيرا عن المقاطعة، بل لحقوا بالسادات نفسه في مسار التطبيع مع إسرائيل.

السادات يصافح مناحيم بيغن في كامب ديفيد أثناء مفاوضات السلام (الأوروبية)

النظام السوري
في 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2011 علقت الجامعة العربية عضوية سوريا، وذلك بعد رفض النظام المتكرر لكل مبادرات الحوار السياسي وسحب الجيش من المدن والإفراج عن المعتقلين، وكانت ردة فعل النظام الفورية هي اقتحام سفارات وقنصليات قطر والسعودية وتركيا وفرنسا.

واضطر النظام بعد مهل عدة للموافقة على دخول بعثة مراقبي الجامعة العربية لمراقبة الوضع الإنساني، وفي نهاية العام وصلت طلائع المراقبين، ولم يرتدع النظام عن استهداف المحتجين في حضور البعثة، بل تعرضت سيارات المراقبين أنفسهم للرصاص، فسحبت الجامعة العربية في مطلع 2012 مراقبيها بسبب "استمرار القتل في المدن".

وكما يمم السادات وجهه شطر واشنطن، انزاح بشار الأسد بالكامل نحو طهران وموسكو، موليا ظهره لشعارات القومية العربية التي أقام عليها كل أيديولوجية دولته.

أغلقت معظم السفارات العربية في دمشق، ورفع النظام وتيرة القمع العسكري وتدمير القرى والمدن، وعندما صاح الرئيس المصري المنتخب محمد مرسي في مؤتمر حاشد "بإستاد القاهرة" في يونيو/حزيران 2013: "لبيك يا سوريا"، لم يكن يدرك أن جيشه سينقلب عليه بعدها ببضعة أيام فقط.

بدأت بذلك سلسلة الثورات المضادة، وتبددت أحلام الربيع العربي بالحرية والكرامة. ومع أن الثوار السوريين واصلوا معركتهم وانتزعوا معظم مساحة البلاد من النظام، لكن روسيا لم تكن لتتنازل حتى لو كلفها الأمر انخراطا مباشرا بالحرب، فاقتحمت الميدان بكل ثقلها في الثلاثين من سبتمبر/أيلول 2015، وقلبت الميزان خلال سنة لصالح النظام.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2016 أعلن النظام استعادته مدينة حلب بالكامل، وأطلق بإشراف روسي سلسلة تهجير المعارضين والمدنيين من عشرات المناطق بأنحاء البلاد، ورفع علمه على جبال من الركام في احتفالات لا تغيب عنها أمارات التشفي والانتقام.

ومع أن مسؤولي الحكومات العربية صرحوا مرارا باستحالة إعادة علاقاتهم مع نظام دمر بلده وقتل شعبه، إلا أن الزمن كفيل -كما يبدو- بالتراجع عن كثير من المبادئ والتصريحات، كما حدث بالضبط في عصر السادات.

 البشير في زيارة مفاجئة إلى دمشق (الأوروبية)

تطبيع وتردد
تميل بعض الأنظمة العربية للمواربة بشأن التطبيع مع الأسد، في حين تحرق أخرى المراحل فجأة ودون مقدمات، ففي مارس/آذار 2018 استقبلت مسقط وزير خارجية النظام وليد المعلم لبحث "التعاون القائم بين البلدين"، وكأن شيئا لم يكن، وفي أواخر السنة نفسها قام الرئيس السوداني عمر البشير بالقفزة الكبرى إلى دمشق في زيارة غير معلنة، مطلقا سيلا من التكهنات المحيرة حول دوافع وتداعيات هذه الخطوة.

ومع أن هناك من نفى أن تكون خطوة البشير مقدمة لتسهيل مهمة التطبيع على أنظمة أخرى، فإن بعض المواقف كفيلة بإثارة الشكوك؛ فسرعان ما فتحت الإمارات سفارتها في دمشق، مكتفية بتبرير الخطوة بمحاولة التصدي "للتغوّل الإقليمي الإيراني والتركي"، ثم لحقت بها البحرين على الفور.

ولم تمر سوى أيام قبل أن تتردد أنباء عن احتمال دعوة النظام إلى القمة الثلاثين للجامعة العربية التي تحتضنها تونس في مارس/آذار المقبل، الأمر الذي لم تنفه الخارجية التونسية، مكتفية برمي الكرة في ملعب الجامعة.

وبالأمس، افتتحت السلطة الفلسطينية مكتبا لهيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية في دمشق، ونقلت وسائل إعلام النظام عن مسؤولي حركة فتح أن الرئيس محمود عباس سيسير على خطا البشير قريبا.

ويبدو أن فرحة النظام ببوادر التطبيع دفعت إعلامه للاحتفال والتبشير المبكر، فردد أنباءً عن زيارة مباغتة لرئيسي الصومال وموريتانيا إلى دمشق، وعن تلقي رسالة من رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي، وحتى عن غزل سعودي بالنظام المزهو بالنصر، في حين صرحت وزارة الخارجية القطرية باستحالة إقدامها على هذه الخطوة لقطع الطريق على الإشاعات.

في عام 1978، كافأ الغرب السادات بجائزة نوبل للسلام، وبعد نحو عامين اغتيل في ظروف ما زالت محط جدل، ثم رُفعت عن نظامه بعد بضع سنين مقاطعة العرب. ومع أن الأسد لن يحلم بجائزة نوبل، فحريّ به أن يطمئن إلى عدم محاكمته على قتل وتعذيب وتشريد الملايين، وأن يفخر بتراجع العرب عن المقاطعة في حياته، وحتى قبل أن يسقط عن عرشه.

المصدر : الجزيرة