كيف تسبب تغير المناخ في انهيار أول إمبراطورية بالتاريخ؟

الإمبراطورية الأكدية شملت منطقة امتدت بين نهري دجلة والفرات وأجزاء من سوريا وتركيا (الجزيرة)
الإمبراطورية الأكدية شملت منطقة امتدت بين نهري دجلة والفرات وأجزاء من سوريا وتركيا (الجزيرة)
قال الكاتب والأستاذ في الجغرافيا الفيزيائية البريطاني فاسيلي إيرسك إن الإمبراطورية الأكدية -التي تعتبر أول إمبراطورية في تاريخ البشرية- انهارت قبل أكثر من أربعة آلاف سنة بسبب تغير المناخ. 
وأفاد -في مقال له نشره موقع "إنفرس" الأميركي- بأن دراسة الدلائل الجيولوجية مكنت العلماء اليوم من تحديد الأسباب الفعلية لانهيار الإمبراطورية الأكدية.
وذكر أنهم اعتمدوا في دراستهم على فك شفرات وأسرار كهف "جول إي زارد" في جبل دماوند بإيران، وكشف أسرار الأعمدة الصاعدة والهابطة التي تشكلت على مدار آلاف السنين، مشيرا إلى أن هذه الأعمدة تخزن العديد من المعلومات حول خصائص المناخ الذي كان يميز تلك الفترة. 
ولفت الكاتب إلى أن الإمبراطورية الأكدية التي تأسست على الأراضي الواقعة في منتصف بلاد الرافدين على يد الإمبراطور سرجون الأول منذ نحو 4300 سنة؛ امتد تأثيرها على طول نهري دجلة والفرات، وشمل الأراضي السورية والتركية حاليا.
ونظرا لأن هذه الإمبراطورية كانت مترامية الأطراف، فإن مناخها كان متنوعا بشكل لافت للنظر؛ حيث كانت تضم أراضي خصبة تعتمد على الأمطار في الشمال، وسهولا أخرى تعتمد على الري من الأنهار في الجنوب، وفقا لإيرسك.
وأوضح الكاتب أن الإمبراطورية الأكدية كانت تعتمد على إنتاج الأراضي الشمالية من الحبوب بشكل متزايد حتى يتسنى لها إطعام الجيش، وإعادة توزيع هذه الإمدادات الغذائية على المؤيدين للحكم، لكن هذه الإمبراطورية، وبعد نحو قرن من تشكلها، انهارت فجأة، وصارت عرضة للهجرات الجماعية والصراعات. 
وفي وصفه للوضع السائد في الإمبراطورية الأكدية آنذاك، قال إيرسك إن تلك الفترة شهدت نقصا فادحا في المياه والطعام، واستشهد إيرسك بنص قديم محفور على أحد الجلاميد الصخرية التي تعود لتلك الفترة، إذ ورد فيه: "لم تنتج المساحات الزراعية الشاسعة أي حبة من القمح، ولم تجلب الحقول المغمورة بالمياه أي أسماك، ولم تنتج الحقول المروية أي شراب أو نبيذ، ولم تسقط الغيوم الكثيفة أي أمطار". 
جبل داماوند بإيران (الأوروبية)
جفاف وغبار
لا يزال سبب انهيار هذه الإمبراطورية محل جدل لدى المؤرخين وعلماء الآثار، ومن أبرز الفرضيات بشأن سبب انهيارها الجفاف المفاجئ الذي ضرب المنطقة، مما أثر بشكل فعلي على المناطق الشمالية التي تمثل مخزون الإمبراطورية من المواد الغذائية، ومن بين المدافعين عن هذه النظرية عالم الآثار هارفي ويس. 
وعثر ويس وزملاؤه في شمال سوريا على أدلة تفيد بأن هذه المنطقة -التي كانت مزدهرة في يوم من الأيام- أصبحت مهجورة فجأة منذ نحو 4200 سنة، وكان نقص الفخار وغيره من البقايا الأثرية دليلا على ذلك، واستبدلت التربة الغنية في الفترات السابقة بكميات كبيرة من الغبار والرمال، مما يشير إلى بداية الجفاف. 
وفي وقت لاحق، كشفت الرواسب البحرية في خليج عمان والبحر الأحمر المزيد من الأدلة حول الجفاف الإقليمي الذي حدث في تلك الفترة. ومع ذلك، يشكك العديد من الباحثين الآخرين في تأويل ويس، معتبرين أن الأدلة الأثرية والبحرية لم تكن دقيقة بما يكفي لإثبات وجود علاقة قوية بين الجفاف والتغير المجتمعي في بلاد الرافدين. 
سجل جديد ومفصل حول المناخ
وتظهر بيانات صواعد الكهوف في إيران معلومات جديدة حول هذا الجدال الدائر، إذ بفضل دراسة نُشرت في مجلة وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة الأميركية، أجرتها أستاذة علم المناخ القديم في جامعة أكسفورد ستايسي كارولين؛ تمكن الكاتب وزملاؤه من الحصول على سجل مؤرخ وعالي الدقة لنشاط الغبار بين 5200 و3700 سنة مضت، وساعدهم غبار الكهوف في إيران على اكتشاف معلومات مهمة عن تاريخ المناخ في أماكن أخرى. 
وأورد الكاتب أن كهف "جول إي زارد" قد يكون على بعد مئات الأميال من الجانب الشرقي للإمبراطورية الأكدية سابقا، ومع ذلك كان في اتجاه الريح مباشرة.
 
ونتيجة لذلك، انتقل نحو 90% من غبار المنطقة إلى صحاري سوريا والعراق، ويحتوي هذا الغبار الصحراوي على نسبة عالية من المغنسيوم من الحجر الكلسي المحلي، الذي يشكل معظم الصواعد في كهف "جول إي زارد".
 
ولذلك يمكن اعتماد نسبة المغنسيوم الموجودة في صواعد هذا الكهف كمؤشر على الغبار الموجود على السطح، مع وجود تركيزات عالية من المغنسيوم تشير إلى حدوث موجات غبار عديدة وفترات جفاف قاسية. 
ولصواعد الكهوف ميزة إضافية، تتمثل في إمكانية تحديد عمرها الجيولوجي بدقة عالية باستخدام مقياس اليورانيوم ثوريوم.
 
ومن خلال الجمع بين هذه الأساليب، مكنت الدراسة الجديدة -التي أجرها الكاتب وزملاؤه- من الحصول على تاريخ مفصل عن الغبار في المنطقة، بالإضافة إلى تحديد فترتي جفاف رئيسيتين بدأتا منذ 4510 و4260 سنة، واستمرتا لنحو 110 و290 سنة على التوالي.
 
تجدر الإشارة إلى أن فترة الجفاف وقعت بالتزامن مع انهيار الإمبراطورية الأكدية. وفي الحقيقة، تقدم هذه المعلومة حجة قوية بأن تغير المناخ كان مسؤولا جزئيًّا عن انهيار هذه الإمبراطورية. 
وفي أعقاب انهيار الإمبراطورية الأكدية، شهدت هذه الفترة هجرة جماعية من الشمال إلى الجنوب، وقوبلت بمعارضة من قبل السكان المحليين.
 
وتم بناء جدار بطول 180 كيلومترا يطلق عليه اسم "مبيد الأموريين" بين دجلة والفرات؛ سعيا للسيطرة على موجة الهجرة، وهي إستراتيجية لا تختلف عن بعض الإستراتيجيات المقترحة اليوم، وبناء على هذه المعطيات، يبدو أن قصص التغير المناخي المفاجئ في الشرق الأوسط كان لها صدى على مدى آلاف السنين حتى يومنا هذا.
المصدر : الصحافة الأميركية

حول هذه القصة

عادة لا يميل الشعب الهندي إلى الخوض في الماضي الاستعماري للبلاد. وسواء أكان السبب القوة الوطنية أو الضعف الحضاري، فقد رفضت الهند حمل أي ضغينة ضد بريطانيا رغم الاستعباد الإمبريالي.

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة