بعد عام من إعلان هزيمته.. هل يشهد 2019 عودة تنظيم الدولة؟

مقاتلون من التنظيم بعد شنهم هجمات في مناطق شرقي دير الزور (مواقع التواصل)
مقاتلون من التنظيم بعد شنهم هجمات في مناطق شرقي دير الزور (مواقع التواصل)
عدنان الحسين-شمال سوريا
خلافا للتوقعات والتحليلات السياسية حول مصير تنظيم الدولة الإسلامية والإعلان عن هزيمته نهاية العام المنصرم 2018، تظهر الوقائع على الأرض أن التنظيم لا يزال قادرا على شن الهجمات، بل إنه عاد للإستراتيجية التي اعتمدها في بداياته؛ مما يدفع للتساؤل عن مصير التنظيم في 2019، وهل ستتأكد هزيمته أم سيشهد العالم جولة أخرى بعودة نسخة جديدة منه؟
 
وبرأي مراقبين ومحللين، فإن عناصر التنظيم وقياداته أظهرت قدرة على المناورة والانكماش في مناطق تمتاز بطبيعتها الجبلية الوعرة، مما أكسبه نقاط قوة مكنته من الظهور من جديد بحلة مختلفة وإستراتيجية تتماشى مع حجم الخسائر التي تعرض لها في الأعوام الأخيرة من الحرب الدولية عليه، فضلا عن تماسكه الداخلي الذي ظهر جليّا بفشل معظم الاختراقات الأمنية لصفوفه أو اعتقال قادته من الصف الأول.
 
وتشير أرقام ومعلومات موثقة إلى أن وجود التنظيم انحسر مع نهاية عام 2018 في سوريا إلى الجيب المتموضع على الضفة الشرقية من نهر الفرات شرقي دير الزور، وفي بلدات الشعفة والسوسة ومدينة هجين التي خسرها مؤخرا، إضافة لمواقع متفرقة في البادية السورية تعادل 1.67% من مساحة سوريا، مقارنة مع النسبة التي استقر عندها نهاية عام 2017 والبالغة 8%، بحسب أرقام نشرها مركز جسور للدراسات والأبحاث.
الجيش العراقي كان قد أعلن هزيمة التنظيم ونهايته مطلع العام الماضي (رويترز)
هجمات رغم الهزيمة
ورغم تراجع سيطرته وانحسارها في سوريا، فإن تنظيم الدولة لا يزال يشن هجمات منظمة أوقعت خسائر كبيرة في صفوف قوات النظام السوري والمليشيات الإيرانية، آخرها كان في مدينة البوكمال الحدودية مع العراق.
 
هذا بالإضافة إلى هجماته شرقي نهر الفرات في مناطق الجزيرة السورية ضد قوات سوريا الديمقراطية -التي تشكل الوحدات الكردية عمودها الفقري- وهو ما يؤشر إلى أن التنظيم ورغم خسارته مساحات جغرافية واسعة، فإنه ما زال يتحلى بأسلوب المناورة والمباغتة والدعاية الإعلامية التي هي بالأساس من أبرز نقاط قوته منذ نشأته.

وفي العراق، وتزامنا مع الذكرى السنوية الأولى لاحتفال القوات العراقية بإعلانها القضاء على تنظيم الدولة في 25 يناير/كانون الأول 2018، فإن التنظيم تمكن من تنفيذ 15 عملية عسكرية ضد قوات الشرطة والحشد الشعبي في أماكن متفرقة منه، موقعا خسائر بشرية في صفوفها، ليعيد بذلك إستراتيجيته القديمة التي تبناها قبل الإعلان عن تشكله عام 2013 كجسم واحد في مناطق منفصلة.
مثلث التنظيم بالعراق
وتمثل محافظات ديالى وصلاح الدين وكركوك مثلث تواجد التنظيم في العراق. هذه المنطقة التي تتخللها سلسلة جبال وعرة جدا تحدّ من استخدام القطعات الآلية والمدرعة بشكل كبير، وتؤمن القدرة على الاختفاء والحماية لعناصره.

كما أن هذه المنطقة تمكّن مقاتلي التنظيم من الانتقال الآمن إلى مثلث تواجده الآخر الذي يصل بين محافظات الأنبار وصلاح الدين ونينوى مقتربا من الحدود السورية غربا، وهي المنطقة التي سبق له استخدامها لتدريباته وعملياته لسنوات طويلة في الفترة الماضية.

ويصف الباحث العراقي في مركز راسام للدراسات الإستراتيجية حاتم الفلاحي إعلان الحكومة العراقية  النصر النهائي على تنظيم الدولة بمثابة "الخطأ الإستراتيجي الكبير".

مقاتلون من تنظيم الدولة بعد شنهم هجمات على مناطق شرقي دير الزور بسوريا (مواقع التواصل)
قراءة خاطئة
وتابع للجزيرة نت "هذا الإعلان يمثل قراءة خاطئة لإمكانيات تنظيم الدولة تنمّ عن قلة المعلومات التي تمتلكها الأجهزة الأمنية والاستخبارية العراقية، فما حصل لم يكن سوى عملية إخراج للتنظيم من المدن والقرى والقصبات التي سيطر عليها بعد حزيران عام 2014".
وقال أيضا "التنظيم انسحب من كثير من المدن دون أن يخوض معارك مثل معركة الموصل، فقد انسحب من الفلوجة وتلعفر والحويجة وعانة وراوة والقائم والرطبة دون أن تكون هناك معارك قوية، عدا بعض مفارز التعويق وبعض السيارات المفخخة والانغماسيين الذين نفذوا عمليات ليس لها تأثير على المستوى العملياتي أو التعبوي".
وبرأي الفلاحي فإن "التنظيم بدأ يعود لتكتيكات حرب العصابات بسبب التفوق الجوي للتحالف الدولي، وعدم قدرته على خوض حرب على غرار القوات النظامية، نظرا لافتقاره إلى الكثير من مقومات الجيوش النظامية التي تمكنه من الصمود والمحافظة على الأهداف التي سيطر عليها".

عودة لما قبل 2007
وأضاف "كل ذلك أجبره على الانسحاب نحو الصحراء التي كانت ملاذا ومنطلقا له منذ عام 2007 حتى عاد في عام 2014، وإلى بعض السلاسل الجبلية التي تؤمن له الاختفاء والمناورة والتي جعلها قواعد أمينة له ولمقاتليه، والانتقال إلى تنفيذ عمليات متعددة منها الكمائن والهجمات الخاطفة والاغتيالات والتفجيرات والاختطاف على أهداف محددة، ثم العودة إلى قواعده الأمينة التي يتخذ منها مواقع متقدمة في كثير من الأحيان، ولكنه يتراجع عنها عند حصول ضغوطات عليه من القوات الحكومية".
ويؤكد الفلاحي أن التنظيم تعرض لاستنزاف كبير وفقد الكثير من الإمكانيات والقدرات العسكرية البشرية والمادية، نتيجة الضربات الجوية والمعارك التي خاضها وسط حاضنة اجتماعية رافضة لوجوده وفقدانه لكثير من مصادر التمويل، إلا أن انكفاءه لمناطق خبرها سابقا واستخدامه لتكتيك حرب العصابات سيمنحه القدرة على المواجهة والمناورة.
وتشير أرقام متطابقة صادرة عن الأمم المتحدة ووزارة الدفاع الأميركية في عام 2018 ووكالة الاستخبارات الأميركية "سي آي أي" (CIA) أن عدد مقاتلي التنظيم يتراوح بين 20 و30 ألفا، وهو ما يثير التساؤلات مجددا عن مدى إمكانية عودة التنظيم إلى واجهة الأحداث من جديد، كما يثير أسئلة كثيرة عن أماكن هؤلاء العناصر وكيفية انتقالهم ومدى استمراريتهم.
باحثون لا يستبعدون ظهور نسخة جديدة من تنظيم الدولة (الجزيرة-أرشيف)
تنظيم الدولة.. نسخة جديدة
وبحسب بحث نشره مركز الجزيرة للدراسات بعنوان "تنظيم الدولة الإسلامية ما بعد أفول خلافته"، فإن من غير المستبعد عودة ظهور نسخة جديدة من التنظيم باسم آخر، أو حتى ظهور تنظيم جديد قد يكون له قبول أكثر في هذه المناطق التي تعاني من سياسات طائفية بسبب سيطرة الحشد الشعبي عليها في العراق وسيطرة قوات سوريا الديمقراطية على مناطق نفوذ التنظيم سابقا في سوريا، ولا سيما مع اتهام منظمة العفو الدولية لهذه القوات بارتكاب جرائم حرب وتهجير قسري في المناطق ذات الغالبية العربية.
ويرى مدير مركز برق الاستشاري للأبحاث محمود إبراهيم أن التنظيم سيظهر في أماكن جديدة، وأن العراق وسوريا ستكونان واجهتين غير حقيقيتين.
وقال للجزيرة نت "التنظيم تلقى ضربات واسعة في سوريا والعراق حدت من قدراته تماما، إلّا أن المشكلة الرئيسية تكمن في فشل القوات التي تحارب التنظيم بالقبض أو قتل القيادات الفاعلة والأمنية لهذا التنظيم العميق، والتي بفضلها تحول التنظيم من شكله الكلاسيكي الصلب -كباقي التنظيمات الإسلامية المتشددة- إلى شكل أكثر مرونة، وجعله تنظيما هلاميا غير محدد المعالم والأهداف والأيديولوجيا أو حتى العقيدة التي سيعلن بها مشروعه الثاني، والذي سيتجاوز فيه المنطقة السورية والعراقية".
ويرجح إبراهيم "أن الوجود الحقيقي سيكون في آسيا الوسطى التي ستتحمل تبعات المرحلة الثانية من ظهور التنظيم بشكله الأكثر دموية وإجراما، وأكثر قدرة على السيطرة على تلك الشعوب التي قد لا تفهم التجربة الإسلامية بالعمق الذي يفهمه أبناء المنطقة العربية".
حرب التناقضات
ويرجّح الضابط المتقاعد من الجيش السوري حاتم الراوي أن تكون عودة التنظيم مرتبطة بالاستفادة من التناقضات بين القوى المتواجدة في سوريا، لكنه يقلل من أهمية الرأي القائل بإمكانية عودة التنظيم ثانية والسيطرة على مواقع واسعة، "ولكن من الممكن جدا تقويتها وتكثيف هجماتها في نفس هذه المناطق عندما تقتضي مصلحة إحدى القوى المسيطرة في المنطقة".

واللافت أن معظم التحليلات العسكرية والميدانية تشير إلى أن تنظيم الدولة عاد إلى مرحلة ما قبل ظهوره في العراق وسوريا تحت اسم "الدولة الإسلامية"، وأنه انسحب باتجاه المناطق الحدودية في البلدين حيث المكان الأفضل له لإعادة انتشاره وتنظيمه وهيكلته.
لكن السؤال الأكبر وسط موجة التوقعات والتحليلات تبقى في مدى قدرة التنظيم على إنتاج نفسه، أم أن هزيمته كانت الحلقة الأخيرة في قصته التي جعلته يوما يسيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا، ويتحكم بموارد نفطية تكفي لتمويل دولة، والحصول على معدات عسكرية تكفي لتسليح جيش.
المصدر : الجزيرة