المعلم في العراق.. إهمال رسمي ثم تهديد بالضرب

معلم لدى ترحيب الطلبة به في أحد مدراس بغداد (رويترز)
معلم لدى ترحيب الطلبة به في أحد مدراس بغداد (رويترز)

وليد المصلح-بغداد

ربما لم يتوقع أمير الشعراء أحمد شوقي أن زمنا سيأتي من بعده لا يقوم فيه أحد للمعلم ولا يحظى بشيء من التبجيل، حين قال "قم للمعلم وفه التبجيلا".

ذلك واقع يعيشه المعلم بالعراق على مضض، يتجرع المرارة في غياب واضح لدور المؤسسة التربوية في تشريع القوانين لحمايته والذود عن رسالته.

بعينين جاحظتين من الدهشة وقدمين متسمرتين تنوء بأعباء 38 عاما من تعب المهنة وضنكها يقف أحمد شخير، وهو مدير مدرسة عبد الله بن جابر في الموصل (شمالي العراق)، أمام محافظ نينوى نوفل العاكوب، وهو يكيل له الإهانة ويتوعد بضربه بـالعصا، لأنه عاقب عددا من طلبته المشاغبين بالضرب.

من جهته اعتذر العاكوب بعد أيام عما بدر منه تجاه شخير، مبينا أن كل ما حصل هو سوء فهم، وأن ما استثاره هو ضرب طلاب أطفال تمنعه القوانين.

وتعد هذه الحادثة من حوادث تترى برسل العلم وناقليه، تنتشر في المجتمع انتشار النار في الهشيم، وتميط اللثام عن فصول من المعاناة والانتهاكات ما عادت تتخفى.

الشاهين اعتبر أن المشهد التعليمي في الموصل مربك في ظل نقص الكوادر والبنى التحتية (الجزيرة نت)

معاون مدير تربية نينوى خالد الشاهين وصف المشهد التعليمي في الموصل بالمربك في ظل نقص الكوادر والبنى التحتية بعد انتزاع المدينة من تنظيم الدولة الإسلامية نهاية العام الماضي.

وأضاف الشاهين للجزيرة نت أن الحكومة المركزية لم تطلق لمعلمي الموصل سوى نصف مستحقاتهم المالية رغم ظروفهم المأزومة الصعبة.

وقال "إن لم تكن وزارة التربية منصفة للمعلمين فمن ينصفهم"؟ ودعا إلى إقرار قانون حماية المعلم، معتبرا أنه "وحده ما يكفل الحقوق ويرد المظالم".

ويرى المنسق الميداني لمنظمة ميرسي كور الدولية أنور الزوبعي أن المنظمات المحلية والإقليمية تبذل جهودا كبيرة في الدعم النفسي والتعليمي للمناطق التي استعيدت من قبضة تنظيم الدولة من خلال برامج السلم المجتمعي ونبذ العنف.

وأضاف للجزيرة نت "كنا نعاني كثيرا مع طلبة المدارس العازفين عن التعليم، حيث كانوا يحبذون العزلة على الاختلاط، لكننا تمكنا من زجهم في مقاعد الدراسة من جديد".

مدرسة ابتدائية صديقة للطفل ببغداد (الجزيرة نت)

طلاب معتدون
ربما يرجع الأثر الأكبر في تأليب الطلبة على معلميهم إلى غياب الوعي الاجتماعي بأهمية المعلم ودوره الريادي وغياب رادع يزجر أو قانون يسيطر، حتى انتقلت العنف إلى داخل المدارس ثم ارتفعت معدلاتها، لدرجة الطعن بالسكاكين، والدهس بالسيارات، والضرب المبرح أو حتى التصفية الجسدية.

ومن قصص معاناة المعلم ما واجهه أستاذ الفيزياء أحمد مضر (42 عاما) الذي كشف للجزيرة نت تعرضه للتهديد من قبل أحد الطلبة على خلفية رسوبه بمادة الفيزياء، مشيرا إلى أنه قد وصلت إليه رسائل عبر الجوال من شخص مجهول تطالبه بإنجاح طلبة السادس الإعدادي "وإلا فسوف أندم".

وتزخر سجلات مراكز الشرطة العراقية بالعشرات من الاعتداءات على المعلمين، غير أنه يجبر على التغاضي وإسقاط حقه فيطلق سراح المسيء.

العشائر والمتنفذون
القبلية والمحسوبية كانتا حاضرتين وبقوة في مساومة المعلم وإجباره على تقديم التنازلات، خشية الإضرار به أو بأفراد عائلته.

وحتى في مكان سكناه الذي لم يكن بمنأى عن القنابل اليدوية الحارقة أو ما يسمى بـالدكة العشائرية بغية الإذعان لما تمليه العشيرة من مطالب، خاصة في المناطق الجنوبية التي تتعاظم فيها سطوة العشيرة ويزداد نفوذها.

وقد يكون المعلم عرضة لابتزاز المسؤولين الحكوميين أنفسهم في أحيان كثيرة لتقديم خدمات خارج إطار المألوف، كالتغاضي عن الغش وتجاوز الرسوب أو تسريب أسئلة الاختبارات.

التعتيم والإعلام
من بين متناقض الأمور ومختلفاتها إصدار وزارة التربية العراقية كتابا رسميا يقضي بعدم التعرض لوسائل الإعلام أو التصريح لها ويمنع دخولها الحرم المدرسي.

بينما لا تجد حرجا من التحقيق وليس التحقق مع المعلم بناء على منشور يشهر به عبر منصات التواصل الاجتماعي، بل إن بعض وسائل الإعلام عمدت إلى السخرية من المعلم والنيل منه في أعمال ومسلسلات درامية معروفة محلية وعربية، لتسقط هيبته وتهدٌ مكانتة.

الغانم قال إن قوانين كثيرة معطلة ولا تطبق (الجزيرة)

وتتعالى الأصوات بين الحين والآخر مطالبة بإقرار قانون حماية المعلم، لكنها سرعان ما تخفت وتتلاشى وفقا لأهواء وميول من صدح بها.

عضو لجنة التربية النيابية صفاء الغانم يرى أن الكثير من القوانين معطلة لا تطبق وأن تفعيلها هو ما يهم، وأكد للجزيرة نت أن لجنة التربية بصدد إقرار قانون حماية المعلم، لكن المطلوب تحديد الجهات الموكل لها التطبيق، مضيفا أنه إن لم يعمل بالقانون فهو لا يساوي ثمن الحبر الذي كتب به.

جبهته البيضاء جعدتها هموم السنين بعد أن احدودب ظهره من وطأتها رغم خشونته الظاهرة، لكنه يحمل بين جنبيه قلبا نابضا بالأبوة، يكن لطلبته الصغار المودة والحنان، فهل من منصف للمعلم في بلداننا العربية أم إن حظه من عطائه أن يعيش على الكفاف في هامش النسيان، ومن عانى لأجلهم بالأمس لا ينصفونه اليوم؟

المصدر : الجزيرة