ماليزيا: مظاهرات وجدل بين حقوق الغالبية وحقوق الإنسان

المتظاهرون دعوا الحكومة إلى عدم الرضوخ للضغوط الدولية والمحلية (الجزيرة)
المتظاهرون دعوا الحكومة إلى عدم الرضوخ للضغوط الدولية والمحلية (الجزيرة)

سامر علاوي-كوالالمبور

دعا قادة ماليزيون إلى وحدة الغالبية الملاوية للحفاظ على حقوقهم والحيلولة دون التوقيع على اتفاقية دولية يقولون إنها تتعارض مع الدستور الذي ينص على احترام الإسلام والملِك، وإن السيادة لمن يعرفون بأبناء الأرض وهم الغالبية التي تعيش في ماليزيا منذ ما قبل عهد الاستعمار.

وقد احتشد عشرات الآلاف من ذوي العرقية الملايوية في كوالالمبور للتأكيد على رفض التوقيع على "اتفاقية منع جميع أنواع التمييز العنصري"، وذلك رغم تراجع الحكومة عن نيتها التصديق عليها تجنبا لأعمال عنف.

وقد قدرت الشرطة عدد المتظاهرين بنحو 55 ألفا، والتزم المتظاهرون بسلميتها، حيث لم تحدث أي مشاكل مخلة بالأمن، بينما كانت الشرطة قد أحاطت ساحة الاستقلال -مكان المظاهرة الرئيسي- بأسيجة حديدية، وانتهت قبل الموعد المحدد بساعة بسبب سقوط الأمطار.

نساء ماليزيات يرفعن شعار الطلاق لاتفاقية منع التمييز العرقي (الجزيرة)

جدل وحذر
وقد أثار إعلان الحكومة عزمها التوقيع على الاتفاقية المذكورة جدلا واسعا في الأوساط الماليزية السياسية والشعبية، وحتى في أوساط مؤيدي الحكومة، وهو ما عبر عنه موظف حكومي بالقول "لقد انتخبنا الحكومة الحالية للتخلص من حكومة نجيب عبد الرزاق لا من أجل حرماننا من حقوقنا والإضرار بديننا وكرامتنا".

وقد حمل شباب شعارات مكتوبا عليها "الطلاق للاتفاقية"، وعبّر أحمد مسلم (مدير مقهى) عن مخاوفه من أن تفاجئه الحكومة بالتوقيع على الاتفاقية، وقال إن مجرد تصريح كاف بأن يغير سياسة الحكومة رأسا على عقب، وتقدم على التوقيع على اتفاقية لا تحظى بإجماع وطني.

وترى أستاذة القانون في جامعة الملايا الدكتورة سيتي زبيدة إسماعيل أن التزام الحكومة بتحسين أوضاع حقوق الإنسان يجب ألا يتعارض مع المصلحة الوطنية العليا التي نص عليها الدستور، خاصة المادة 153 التي تنص على أن السيادة للملك المنوط به الحفاظ على الإسلام دين الدولة وحقوق الغالبية الملاوية.

وتضيف الدكتورة زبيدة في حديثها للجزيرة نت أن التسرع في التوقيع على الاتفاقية الدولية من شأنه أن يخل بالنسيج الاجتماعي الذي بني على التوافق الذي توصل إليه الآباء مؤسسو الدولة، الذين يمثلون العرقيات الرئيسية في البلاد، والذي اصطلح عليه بالعقد الاجتماعي.

هذا المتظاهر يلخص مطالبه في الحفاظ على دين ومؤسسة الملك والعرق الملاوي (الجزيرة)

صقور الحكومة
يرى المحلل السياسي في مجموعة "سينار هاريان" الصحفية هارون حسن أن حشد معارضي الاتفاقية قوة شعبية كبيرة يمكّن رئيس الوزراء من مواجهة الضغوط التي تمارس عليه ممن يصفهم بالصقور في كتلة الصينيين والهنود، الذين يضغطون لإلغاء الامتيازات الخاصة بالملاويين والوضع الخاص بمكانة الإسلام ومؤسسة الملك.

ويؤكد هارون في مقال له بصحيفة "ذا إيدج" أن تمكن الغالبية من إظهار غضبها الشعبي على سياسات يمكن أن تتخذ فيما بعد، من شأنه أن يقلل من سطوة الصقور في الحكومة، ويعزز موقف مهاتير، لا سيما أن المتظاهرين التزموا بالسلمية.

ويعتبر محللون سياسيون نتائج الانتخابات السابقة معيارا للثقل العرقي في الحكومة والمعارضة، إذ إن نحو 90% من الصينيين والهنود صوتوا لصالح تحالف "الأمل" الحاكم حاليا، بينما صوت نحو 75% من الملاويين لصالح حزب المنظمة الملاوية القومية المتحدة (أمنو) والحزب الإسلامي (باس) المعارضين حاليا.

الدكتورة زبيدة لا ترى حاجة للتوقيع على اتفاقية تتعارض مع الدستور وتوافق الآباء مؤسسي الدولة الماليزية (الجزيرة)

حقوق الإنسان
لجأت الحكومة في ظل أجواء عرقية مشحونة إلى إلغاء مظاهرة مضادة أعلنت عن تنظيمها بالتزامن مع مظاهرة المعارضة التي دعا إليها الحزب الإسلامي وأيدها حزب "أمنو" الحاكم سابقا، وذلك بعدما أوصت الشرطة بتأجيل المظاهرة لإحياء اليوم العالمي لحقوق الإنسان تجنبا لوقوع احتكاك بين مؤيدي التوقيع على الاتفاقية الدولية ومعارضيه.

وقد ووجه إلغاء المظاهرة المؤيدة للتوقيع على الاتفاقية بانتقادات شديدة من قبل منظمات غير حكومية محسوبة على الحكومة، منها الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، حيث اتهم رئيسها الحكومة بالرضوخ لمن وصفهم بالمتطرفين مرتين: الأولى بالتراجع عن التوقيع، والثانية بالتراجع عن تنظيم المظاهرة.

وزاد من انتقادات الحكومة اعتذار رئيس الوزراء مهاتير محمد عن المشاركة في احتفال بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان دعت إليه منظمات حقوقية الأحد. وكان مهاتير قد ألمح إلى التوقيع على الاتفاقية في كلمته بالجمعية العمومية في الأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول الماضي عندما تعهد بالتوقيع على ما تبقى من الاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان.

المصدر : الجزيرة