مدرسة مخيم بتيا بإدلب.. إصرار على التعليم رغم الصعاب

سيلا الوافي-الجزيرة نت

يفتقر مخيم "بتيا الطيني" بمحافظة إدلب شمالي سوريا لكل وسائل الحياة، ويعاني القاطنون به من ظروف مادية بالغة الصعوبة، إلا أن ذلك لم يمنع الأهالي من إرسال أبنائهم إلى المدرسة التي أنشأها بعض المدرسين بإمكانيات ضئيلة للغاية، وكل ذلك بغية تنوير الأطفال، وصقلهم بالمعرفة المطلوبة.

ويتوافد عليها الطلاب -الذين تتراوح أعمارهم من 6 إلى 12 سنة كل صباح ليبدؤوا يومهم بتنظيف وترتيب المكان الذي سيتلقون فيه المعلومات الدراسية، ثم يفترشون الأرض ببضع بطانيات رقيقة عوضا عن المقاعد.

وتبدأ المعلمة بإمكانيات معدومة بإعطاء الدرس، لتجد الطلاب يتفاعلون ويشاركون في الأجوبة عن الأسئلة التي توجهها متناسين تماما برد المكان والغبار الذي يمتلئ به.

وتقول رجاء -وهي إحدى المعلمات- إن همها الوحيد أن تتوافر الكتب المدرسية والتجهيزات اللازمة لدرء البرد والأمطار عنهم، وتضيف "الأسقف المستعارة غير عازلة مما يتسبب في تغيبنا نحن والطلاب عن الدوام في الأوضاع الجوية السيئة، إضافة لعدم وجود النوافذ والمرافق العامة والتدفئة".

دافع الاستمرار
وتضيف المعلمة أنه على الرغم من الظروف الحالية فإنها تمتلك الدافع للعمل والاستمرار في التعليم ونشر العلم لتحدي الجهل والتخلف الذي فرض عليهم وتهجيرهم قسريا من منازلهم.

رغم الظروف الأمنية غير المستقرة والإمكانيات الهزيلة يصر عدد من الأطر التعليمية على توفير فرصة تعليمية لانتشال أطفال سوريا من الجهل (الجزيرة)

ويضم مخيم بتيا الطيني القريب من ريف سلفين 160 عائلة مهجرة من محافظات عدة مثل الغوطة الشرقية ودير الزور وحمص وحماة عقب الحملة العسكرية لقوات النظام وحليفتها الروسية.

وقد كان هناك أطفال في ربيعهم العاشر لا يعرفون حتى الإمساك بالقلم ولا القراءة أيضا، ولكن الآن بات وضعهم أفضل بكثير مما كانوا عليه سابقا رغم الظروف التي مروا بها، إلا أن إصرارهم على التعلم كان أقوى. وتقول ليلاس ابنة التسعة أعوام "أحب المدرسة وأرغب في الحصول على كتب وقرطاسية وبعض الألعاب، ولكن حرماني من مستلزماتي لا يمنعني من التعلم".

ويذكر مدير مدرسة مخيم بتيا الطيني أحمد علي أن دافعهم الأول والأساسي هو نشر العلم والمعرفة وتوعية الأجيال، فالجهل الذي يشاهدونه في أعين أطفالهم ومستواهم العلمي المتدني -مقارنة مع غيرهم من أبناء جيلهم- هو الذي دفعهم إلى العمل الطوعي دون أي مقابل مادي والقبول بافتتاح المدرسة على حالها هذا.

ومدرسة بتيا ليست الوحيدة التي تعاني من الأوضاع المأساوية الصعبة في المناطق السورية المحررة، وإنما هناك أيضا مدارس مشابهة مثل مدرسة "براعم الأمل" في ريف المهندسين بريف حلب الغربي، حيث اتخذ أطفال ومعلمون من بيت قيد الإنشاء مدرسة لهم يجلس فيها الأطفال على الأرض المغطاة ببضعة سجاجيد لا غير.

بسبب تدمير الكثير من المدارس لا يجد الطلاب بدا من افتراش الأرض لمواصلة مسارهم التعليمي (الجزيرة)

معوقات التعليم
ويوضح عدنان سليك مدير مكتب وزير التربية والتعليم بالحكومة المؤقتة أن الأوضاع الأمنية غير المستقرة والقصف المستمر وقلة دعم الجهات المانحة شكلت عائقا ضخما أمام تأمين الكتب ومستلزمات المدارس ورواتب المدرسين.

كل ذلك أدى لتدهور العملية التعليمية، وأشار سليك إلى أن اتفاق وقف النار والقصف على مناطق المعارضة المسلحة في مؤتمر سوتشي، ومخرجات القمة الرباعية بشأن سوريا ظلت حبر على ورق، وتعرضت العديد من المناطق بعد الاتفاق إلى القصف مما أدى إلى مقتل عدد من الطلاب والمدرسين.

وأضاف سليك أن الصعاب والعوائق التي تقف بوجه الحكومة المؤقتة في المجال التعليمي "لن توقفنا عن السعي لتحسين المستوى التعليمي، وهناك تواصل قائم حاليا مع أكثر من منظمة".

ومن هذه المنظمات "ديفيت" التي تتبنى مشروع "مناهل" الرامي لتأمين رواتب بعض المدرسين، فضلا عن منظمة صندوق قطر الخيري التي تبنت السنة الماضية طباعة مجموعة من الكتب المدرسية، ولكنها لم تكن كافية وتسعى حاليا لإعادة طباعة الكتب من جديد.

متطلبات ضخمة
ويضيف المتحدث نفسه أن المساعدات الخارجية لا تتجاوز حاليا 5% من الكلفة المطلوبة، فالعملية التعليمية مشروع ضخم يحتاج إلى أموال طائلة، تعمل على تلبية جميع حاجيات الطلاب والمدرسين من تأمين كتب ورواتب وصيانة وترميم للمدارس.

ولفت سليك النظر إلى أنه في حال لم يتم تأمين الدعم اللازم لقطاع التعليم فسيسبب ذلك تدهور العملية كلها، وضياع جيل بأكمله، وانتشار الجهل والأمية التي تعني انتشار الجريمة والتطرف "لذلك نخشى من الوصول إلى هذه الحالة في المرحلة القادمة".

المصدر : الجزيرة