النظام يمنع عودة نازحي ريف اللاذقية.. هل هو تطهير طائفي؟

نازحون في مخيمات حدودية بريف اللاذقية (الجزيرة-أرشيف)
نازحون في مخيمات حدودية بريف اللاذقية (الجزيرة-أرشيف)

الجزيرة نت-عبد السلام حاج بكري

حزم بضع حقائب وضع فيها بعض الملابس وطعاما يكفيه يومين أو ثلاثة، وأوعز لزوجته بتجهيز ما يلزم من أثاث المنزل والأغطية لحملها معهم إلى بلدته سلمى بريف اللاذقية غرب سوريا عقب عودته منها، حيث ينوي تنظيف المنزل وإعداده ليكون صالحا للسكن، فلم يعد يطق صبرا بالعيش بعيدا عنه.

استعار عبد الجبار ديبو سيارة صديقه واتجه صوب بلدته، وعندما تجاوز قرية كفرية وانعطف يمينا باتجاه سلمى، أوقفه حاجز لجيش النظام، وخيّره الضابط المسؤول بين العودة إلى اللاذقية من حيث أتى أو متابعة طريقه باتجاه البلدة لتفقّد منزله على أن يعود خلال ساعتين، لأنه يمنع السكن في البلدة بأمر من "السلطات العليا" حسب قول الضابط.

يقول ديبو "أخبرني بعض سكان البلدة ممن نزحوا عنها باتجاه اللاذقية أن النظام يمنع عودة السكان إليها، لكنني لم أشأ تصديق ذلك وقد شاهدت على التلفزيون تقريرا يرصد ورشات تعيد تأهيل الخدمات الأساسية في البلدة، فقررت المحاولة".

ويشير للجزيرة نت إلى أنه قرر استغلال الساعتين ومتابعة المشوار إلى بلدته للاطلاع على مصير بيته وأرضه "لقد كان الأمر فظيعا، بيتي صار كتلة حجارة، الدمار في كل مكان، أما ما تبقى من المنازل فقد احتلّ ضباط من روسيا ومن جيش (الرئيس بشار) الأسد أفخرها، وسكن الجنود المتواضع منها".

وكان جيش النظام وبغطاء جوي من الطيران الروسي قبل ثلاثة أعوام قد استعاد السيطرة على ريف اللاذقية الذي يتكوّن من جبلي الأكراد والتركمان، وهجّر سكانه البالغ عددهم ما يقارب 150 ألفا، بعضهم إلى المناطق الخاضعة لسيطرته، وفرّ أغلبهم باتجاه مناطق سيطرة فصائل المعارضة على الحدود التركية غربي محافظة إدلب خوفا من الاعتقال والقتل.

وينتمي معظم النازحين إلى الطائفة السنيّة، مع أقلية من المسيحيين كانوا يسكنون ناحية كنسبا وقرية الغنيمية، وفضّل هؤلاء النزوح باتجاه مناطق سيطرة النظام، بينما عمل النظام على إعادة العلويين إلى قراهم المتاخمة لجبلي الأكراد والتركمان وكان بعضهم قد نزح عنها بسبب المعارك التي نشبت منذ خريف عام 2011.

‪دمار أحدثه القصف الروسي في بلدة الناجية بريف اللاذقية‬ (الجزيرة-أرشيف)

لماذا يمنع النظام عودة النازحين؟
كثيرون مثل ديبو حاولوا العودة إلى قراهم بريف اللاذقية، وكان أبو محمد أحدهم، حيث ركب مع أسرته بشاحنة صغيرة وتوجه من مخيم النازحين على الحدود التركية باتجاه قريته، وعند أول حاجز للنظام في قرية عين الحور، أطلق عناصر الحاجز النار في الهواء لتحذيره بضرورة عدم الاقتراب، فعاد أدراجه دون أن يتمكن من معرفة سبب ما جرى.

أبو محمد -الذي تحدث للجزيرة نت طالبا عدم الإفصاح عن اسمه خوفا من اتهامه بمحاولة المصالحة مع النظام- أشار إلى أن النظام لا يريد عودة النازحين لأنه يستثمر أراضيهم، ويضيف "رزقنا وتعبنا ومستقبل أطفالنا، هكذا ببساطة يسرقه المجرم، يكذب علينا ويقول إنه يرحب بعودة النازحين، لكنه يرفض عودتنا لأننا معارضين له" حسب قول أبي محمد.

يمنع النظام السوري عودة النازحين عن جبلي الأكراد والتركمان إلى منازلهم رغم أن المعارك متوقفة، بذرائع متعددة يسوقها لهم مثل وصفها بأنها منطقة عسكرية، والخشية من هجوم الإرهابيين، والألغام وغير ذلك، لكنهم جميعا يدركون أن الحقيقة ليست كذلك.

المحامي طارق عبد الهادي النازح من ريف اللاذقية يشير إلى أن النظام يريد إحداث تغيير ديموغرافي في المنطقة، حيث أنه سمح بعودة أبناء الطائفة العلوية وبعض أتباع الديانة المسيحية إلى قراهم، فيما يرفض عودة سكان جبلي الأكراد والتركمان وهم من الطائفة السنيّة.

وقال عبد الهادي في حديث للجزيرة "سمح النظام بعودة سكان مدينة كسب وهم من المسيحيين، وكذلك أعاد سكان قرى ستربة ومركشيلة وجب الأحمر وهم من العلويين، إنه يريد الاحتفاظ بمسافة عشرين كيلو مترا كفاصل بين مواقع المعارضة شرقا وحاضنته الشعبية غربا، وربما يسعى لاحقا لتوطين أنصاره فيها".

لكن العميد المنشق أحمد رحال يرى أن سبب امتناع النظام عن السماح بعودة المهجّرين إلى ريف اللاذقية يعود لأسباب أمنية، حيث يعتقد أنهم سيكونون عينا لفصائل المعارضة ترصد تحركات جيشه وتنقلها لهم.

‪غارات روسية مكثفة على منطقة سلمى بريف اللاذقية‬ غارات روسية مكثفة على منطقة سلمى بريف اللاذقية (ناشطون-أرشيف)

عقبة أخرى
تؤكد الصور -التي استطاعت عناصر الاستطلاع في فصائل المعارضة التقاطها من مسافات قريبة- أن غالبية منازل المدنيين تم هدمها، إما بفعل القصف الجوي الروسي الذي استهدفها عند تقدم جيش النظام للسيطرة عليها أو بسبب قيام هذا الجيش بتفجيرها بالعبوات الناسفة، وهذا سبب إضافي يمنع عودة النازحين قبل إعادة إعمارها إن سمح النظام بذلك يوما.

وأكد رامي أحمد الراصد في إحدى سرايا الاستطلاع بريف اللاذقية أن عناصر النظام قضوا على مساحات واسعة من بساتين الفاكهة التي تعتبر مورد الرزق الأساسي لسكان جبلي الأكراد والتركمان، مضيفا أنه "يهدف لقطع أرزاقنا لمنعنا من العودة إلى أراضينا ومنازلنا عندما يتم التوصل لتسوية سلمية، أو في حال تمكنّا من استعادتها بقوة السلاح".

وكانت فصائل المعارضة قد سيطرت على ريف اللاذقية بدءا من 2012، غير أنها لم تدخل القرى ذات الغالبية العلوية، كما أنها لم تستطع السيطرة على كل القرى السنية، غير أن النظام عمل على تفريغ المنطقة من سكانها من خلال آلاف البراميل المتفجرة والصواريخ والقذائف، قبل أن يستعين بحزب الله وروسيا لاستعادة السيطرة عليها.

ويعدّ ريف اللاذقية أحد أهم المواقع السياحية في سوريا لغاباته الكثيفة ومياهه العذبة ومناخه المعتدل، وهو المنطقة الأكثر حساسية بالنسبة للنظام لأنه يقع على مسافة قريبة من مسقط رأس الأسد في القرداحة، إضافة إلى أنه نقطة الالتقاء الجغرافي بين المكوّن السني المعارض والعلوي الذي ينتمي له رئيس النظام بشار الأسد.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تقدمت تركيا وألمانيا بشكوى باسم أكثر من أربعين دولة إلى مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة بشأن “القانون 10” الذي أًصدره النظام السوري لتشريع مصادرة أملاك النازحين واللاجئين السوريين.

لقي طفلان بإدلب مصرعهما نتيجة القصف السوري الروسي، بينما أعلنت المجالس المحلية بريف حماة الغربي عددا من البلدات مناطق منكوبة بسبب “الهجمات البربرية” للنظام مما أدى لتزايد أعداد النازحين.

رغم عودة الهدوء والاستقرار النسبي في مناطق سورية، فإن مأساة مئات آلاف النازحين تتجدد مع كل شتاء، خاصة أن هذا الشتاء يحمل معه قسوة ربما لم يروها من قبل.

المزيد من سياسي
الأكثر قراءة