من "يحنو عليه" إلى "مفيش ببلاش".. تحولات خطاب السيسي

"لقد عانى هذا الشعب الكريم ولم يجد من يرفق به أو يحنو عليه"، هكذا تحدث بيان الجيش المصري في الأول من يوليو/تموز 2013 عقب مظاهرات الثلاثين من يونيو ضد الرئيس السابق محمد مرسي، وهو البيان الأخير الذي أمهل الجميع 48 ساعة قبل إعلان الانقلاب العسكري في الثالث من يوليو/تموز.

وبعد أكثر من خمس سنوات على البيان، ورغم صدوره من قيادة القوات المسلحة وتضمنه العديد من الأفكار والرسائل، فإن جملة "لم يجد من يحنو عليه" ظلت هي الأبرز، باعتبارها تدشينا لمرحلة الخطاب العاطفي للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الذي كان يشغل وقتها منصب وزير الدفاع.

لكن للتدقيق، فإن وصف خطاب السيسي بالعاطفي جاء على لسان المرشح الرئاسي السابق حازم صلاح أبو إسماعيل -المسجون منذ اليوم الأول للانقلاب- الذي وصف السيسي بـ"الممثل العاطفي"، وذلك ردا على تصريحاته قبل شهرين من الانقلاب عن انحياز الجيش للشعب، والذي قال خلالها "تقطع أيدينا قبل أن تمتد على المصريين، نموت نحن أولا قبل أن يعتدي أحد على الشعب".

"من يحنو عليه"، هي الجملة التي يتذكرها المصريون اليوم كلما تحدث السيسي عن زيادة الأسعار وتقديم الخدمات بأسعارها دون دعم من الحكومة، وهو ما أكده أمس خلال افتتاح مجمع سكني في الإسكندرية (شمال القاهرة)، حيث طالب الحكومة باعتماد عدادات الكهرباء المسبقة الدفع، مؤكدا أنه لا خدمة دون مقابل، أو بحسب قوله "مفيش ببلاش".

فكيف تحول خطاب السيسي من "يحنو عليه" إلى "مفيش ببلاش"؟

نور عنينا
بعد الانقلاب، أطلق السيسي جملته الأشهر خلال إحدى الاحتفالات العسكرية في أكتوبر/تشرين الأول 2013، حيث خاطب المصريين بقوله "إنتوا مش عارفين إنكم نور عنينا ولا إيه"، لتصبح هذه الجملة شعار مرحلة جديدة، ظهرت معالمها وقت إعلان السيسي ترشحه لانتخابات الرئاسة عام 2014.

وخلال تصريحاته الانتخابية، حرص السيسي على استمرار تدفق الشحنات العاطفية خاصة فيما يتعلق بالأوضاع الاقتصادية التي يعاني منها غالبية المصريين، وقطع الرجل وعدا على نفسه بعدم رفع الأسعار أو إلغاء الدعم للسلع والخدمات الرئيسية إلا بعد رفع الحد الأدنى للرواتب وارتفاع مستوى المعيشة، أو بتعبيره "أغني الناس الأول".

تبدلت نغمة السيسي العاطفية بعد استلامه مقاليد الحكم، واختفت تدريجيا الوعود البراقة بالإصلاح العاجل لتحل محلها مطالب عاطفية بالصبر والتحمل والجوع من أجل مصر، بل والتبرع لصندوق "تحيا مصر"، واستحدث السيسي منهجا جديدا بالوعود البراقة لكنها مؤجلة لفترات زمنية تتراوح بين ستة أشهر وسنة وسنتين، حتى انتهت الفترة الرئاسية الأولى دون تحقيق أي منها.

وعلى العكس من وعده بعدم زيادة الأسعار أو إلغاء الدعم إلا بعد ارتفاع مستوى المعيشة، أعلن السيسي عن تعويم الجنيه المصري، وإلغاء الدعم تدريجيا عن الوقود، ورفع أسعار المواصلات والخدمات الرئيسية، وهو ما أدى إلى ارتفاعات غير مسبوقة في أسعار السلع والخدمات.

تدريجيا تحولت نغمة السيسي العاطفية إلى غضب وانفعال في الحديث عن الأوضاع الاقتصادية، وتحميل الشعب مسؤولية تردي الاقتصاد المصري، سواء بسبب الزيادة السكانية أو النمط الاستهلاكي للمصريين، فضلا عن مطالبهم المستمرة من الحكومة.

وأعلن السيسي ذلك بوضوح في مايو/أيار 2017 بمدينة دمياط (شمال القاهرة)، حيث انفعل بشدة عندما طالبه نائب عن المدينة بإرجاء زيادة أسعار الوقود وزيادة الحد الأدنى للرواتب إلى ثلاثة آلاف جنيه (نحو 170 دولارا).

لا يفوّت السيسي فرصة ليقول للمصريين بوضوح إن عليهم التكيف مع المرحلة الجديدة، وهي مرحلة لا تقدم فيها الحكومة أي خدمة أو سلعة مجانية، حيث أعلن في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي أنه رفض افتتاح مترو منطقة مصر الجديدة لأن سعر التذكرة زهيد، وبالفعل توقف افتتاح المشروع حتى الآن.

السيسي أعلنها بوضوح في أغسطس/آب الماضي خلال افتتاح طرق وجسور في محافظة المنيا (جنوب القاهرة)، حيث عدد مزايا الطرق الجديدة وما توفره من جهد ووقت، لكنه قال إن هذه الخدمة بمقابل "هنعمل لكم كل حاجة، لكن ادفع، مفيش حاجة ببلاش خالص".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسي
الأكثر قراءة