غضب واحتجاجات بتونس إثر مقتل مصور صحفي حرقا

غضب واحتجاجات بتونس إثر مقتل مصور صحفي حرقا

متظاهرون يحتجون في ساحة الشهداء بحي الزهور بمدينة القصرين على خلفية وفاة المصور الصحفي حرقا (الجزيرة نت)
متظاهرون يحتجون في ساحة الشهداء بحي الزهور بمدينة القصرين على خلفية وفاة المصور الصحفي حرقا (الجزيرة نت)

منيرة حجلاوي-القصرين

حزن ويأس وظلم وقهر وغضب عارم، مشاعر تستقبلك ما إن تطأ قدماك محافظة القصرين (غربي تونس) التي ودعت الثلاثاء المصور الصحفي عبد الرزاق الزرقي الذي توفي حرقا في ما وٌصف بأنه احتجاج منه على ما يعيشه أبناء محافظته من بطالة وفقر وتهميش.

وقد ودّع اليوم أهالي مدينة القصرين فقيدهم "رزوقة" -كما يلقبونه- في جنازة مهيبة شاركت فيها مختلف أطياف المجتمع، في مشهد غلبت عليه علامات الصدمة والحيرة حيث لم يتقبل الأهالي بعد خبر وطريقة رحيله.

عبد الرزاق الزرقي (32 عاما) كان يعمل مصورا صحفيا مع قناة تلفزية تونسية خاصة، وهو ابن حي النور، أكبر أحياء مدينة القصرين، عُرف بحسن أخلاقه وهدوئه، وفق ما أكده عدد من أصدقائه للجزيرة نت.

قبل إقدامه على "الانتحار" بدقائق، فاجأ الزرقي الجميع بنشر مقطع فيديو يشرح فيه الأسباب التي دفعته إلى اتخاذ هذه الخطوة، من أهم ما جاء في وصيته قوله "موضوعنا هو أبناء القصرين العاطلون عن العمل ‏تحديدا".

ويضيف "أولئك الذين لا يملكون مورد رزق.. وليس لهم ما يشبع بطونهم، كلما احتج أحدهم يقولون عنه ‏إرهابي. عندما يطالب الناس بحقهم في الشغل يحرّكون الإرهاب ليضرب هنا أو هناك.. أنا اليوم سأقوم بثورة ‏وحدي، سأحتج وحدي سأحرق جسدي".

كلمات "رزوقة" كان لها الوقع الشديد في نفوس كل من شاهد المقطع المُسجل، وتساءل الكثيرون عن الدوافع الحقيقية التي جعلت الراحل يقدم على الانتحار حرقا.

محمد شقيق الفقيد: ضحّى بحياته لفائدة أبناء محافظته المظلومين والمهمّشين (الجزيرة نت)

ضحى بنفسه
"وضعيتنا العائلية متوسطة كغالبية أهالي القصرين. أخي لم يكمل دراسته الجامعية، غير أنه مجتهد ويبحث دائما عن فرص للعمل لكسب رزقه، وهو كان يعمل مصورا صحفيا"، يقول محمد الزرقي شقيق الفقيد للجزيرة نت.

ويكمل محمد، وعلامات الصدمة تغزو ملامح وجهه الحزين، "أخي أقدم على الانتحار ليس لأسباب شخصية وإنما ضحى بحياته لفائدة أبناء محافظته المظلومين والمهمّشين، نحن في القصرين محرومون من حقوقنا في الشغل والمشاريع التنموية كأننا لا ننتمي لهذا الوطن".

وبخصوص ما تداولته المواقع الإلكترونية ووسائل الإعلام التونسية من أن الزرقي لم يضرم النار في جسده وإنما تمت مباغتته من الخلف من قبل شخص آخر أضرم النار فيه، يوضح محمد أنهم ينتظرون التحقيقات الأمنية الجارية بهذا الشأن لاتخاذ الخطوات اللازمة.

الصدمة كلمة تلخص ما يشعر به كل من عرف عبد الرزاق الزرقي من بعيد أو من قريب، رياض (25 عاما) صديق مقرّب للفقيد لم يُخف في تصريحه للجزيرة نت حسرته ووجعه لرحيل صديقه المقرّب.

"رزوقة" خلف حرقة عميقة في نفوس الجميع، شخصيته الهادئة لا توحي بأنه سيقدم على الانتحار، إلى الآن لا أستطيع تصديق خبر رحيله، إلا أنه قدّم حياته ثمنا لأبناء جهته الذين ثاروا منذ ثماني سنوات على الإقصاء والتفقير، غير أن مطالبهم ذهبت أدراج الرياح نتيجة سياسة الحكومات المتعاقبة، يؤكد رياض.

الراحل عبد الرزاق نشر قبيل احتراقه تسجيلا مصورا يندد فيه بتدهور الأوضاع الاجتماعية بالقصرين (مواقع التواصل)

احتجاجات بالقصرين
وتشهد مدينة القصرين، وتحديدا حيي النور والزهور اللذين يعدان من أكبر أحياء المدينة، احتجاجات على خلفية حادثة وفاة المصور الصحفي خرج فيها شباب هذه المناطق يطالبون بتحسين وضعياتهم الاجتماعية وبالشغل وبحقهم في العيش الكريم.

الاحتجاجات تركزت خاصة في ساحة الشهداء بحي الزهور حيث أشعل المتظاهرون العجلات المطاطية وكسروا كاميرا مراقبة تم تركيزها في الساحة، في حين تشهد مداخل هذه الأحياء تعزيزات أمنية شديدة تحسبا لأي تطور في مسار التحركات، وفق ما عاينته الجزيرة نت.

الوفاة الصادمة للمصور الصحفي خلفت أيضا لوعة وصدمة كبيرتين في صفوف الصحفيين الذين وجدوا فيها فرصة للتعبير عما يعانونه في قطاع الإعلام بصورة عامة في تونس، حسب تعبيرهم.

"لقد عمل البعض منذ 2011 على تواصل هشاشة قطاع الصحافة في تونس وقد استغل المرتزقة تلك الوضعية لأن مصلحتهم في إعلام هش كبيرة جدا وفرصهم في الارتزاق والهيمنة أكبر". بهذه التدوينة انتقد الصحفي عبد الرؤوف بالي استمرار هشاشة قطاع الصحافة رغم المطالبة المتكررة بتنظيمه.

بدوره عبر الإعلامي زياد الهاني عن حزنه قائلا "كم حزين هو هذا الصباح.. أحُزْنٌ بداخلي؟ أم هي الطبيعة حزنت فارتدت وشاحا رماديا أسفا على رحيل المصور الصحفي الشاب عبد الرزاق الزرقي الذي أشعل نفسه يأسا في القصرين؟".

إضراب الصحفيين
وقد أعلنت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين الثلاثاء عن إضراب عام في قطاع الإعلام يوم 14 يناير/كانون الثاني المقبل، والذي يوافق ذكرى نجاح الثورة، وذلك للتنديد بالظروف المتردية التي يعمل فيها العديد من الصحفيين.

كانت النقابة حملت في بيان سابق الدولة مسؤولية ما جرى لعبد الرزاق، قائلة إنها ساهمت في جعل القطاع الصحفي مرتعا للمال الفاسد والمشبوه الخادم لمصالح ضيّقة بعينها، ودون مُراقبة لمدى التزام المؤسسات الإعلامية بقوانين العمل على حساب قوت الصحفيين ومعيشتهم.

"زرقي القصرين" رحل اليوم كما رحل محمد البوعزيزي في سيدي بوزيد في شتاء 2010، ورحل عبد الرزاق قبل أيام من إحياء تونس الذكرى الثامنة لثورة الحرية والكرامة في 14 من الشهر المقبل، تاركا وراءه وصيته مفادها "ثوروا على الفساد والفقر".

المصدر : الجزيرة