بعد 8 سنوات على الثورة التونسية.. محطات ناجحة وأزمات مستمرة

هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

بعد 8 سنوات على الثورة التونسية.. محطات ناجحة وأزمات مستمرة

جانب من الاحتفال بذكرى الثورة التونسية في يناير/كانون الثاني 2017 (الجزيرة)
جانب من الاحتفال بذكرى الثورة التونسية في يناير/كانون الثاني 2017 (الجزيرة)

خميس بن بريك-تونس

مع أن أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية لا تزال تراوح مكانها جراء البطالة وضعف التنمية وارتفاع الأسعار وتضرر الفئات الفقيرة، فإن الديمقراطية الناشئة في تونس ما زالت تقطع طريقها بنجاح منتعشة بمناخ الحرية رغم العديد من الهواجس القائمة.

وفي 17 ديسمبر/كانون الأول الجاري، احتفلت محافظة سيدي بوزيد الجنوبية بالذكرى الثامنة للثورة التي انطلقت منها بعد إضرام البائع المتجول محمد البوعزيزي النار في جسده، لكن طابع الاحتفال اتسم بخروج العاطلين عن العمل للاحتجاج على ظروفهم المتردية.

ومع اقتراب الذكرى الثامنة لهروب الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي في 14 يناير/كانون الثاني، سيتجه كالعادة العديد من التونسيين إلى شارع الحبيب بورقيبة -الشارع الرئيسي في العاصمة- للتعبير عن فرحهم بمكسب الحرية، بينما يعبر آخرون عن سخطهم من تدهور الأوضاع.

الاحتجاجات المطلبية والإضراب عن العمل بات واحدا من سمات المشهد اليومي في تونس بعد الثورة (رويترز)

توتر اجتماعي
يقول النائب عن الجبهة الشعبية اليسارية منجي الرحوي -للجزيرة نت- إن القضايا نفسها لا تزال تراوح مكانها رغم مضي ثماني سنوات على سقوط الدكتاتورية، منتقدا ما سماه "فشل" الحكومات المتعاقبة في الاستجابة لمطالب الشعب في التشغيل والتنمية والعدالة.

ومنذ اندلاع الثورة لم تحقق البلاد نموا اقتصاديا قويا، إذ لم يتجاوز في أحسن أحواله هذا العام 2.6% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة ضعيفة بكل المقاييس، إذ لا تمكّن من تحقيق التنمية ولا امتصاص جزء من البطالة العالية البالغة 15.5%.

وبينما لم يلعب القطاع الخاص دورا كبيرا في خلق فرص التشغيل والتنمية ولا سيما في الجهات المحرومة، تم غلق الباب أمام الانتداب في الوظائف الحكومية لارتفاع كتلة الأجور الجاثمة على جزء كبير من موازنة الدولة المرتكزة على الاقتراض.

وتحتاج تونس -على الأقل- اقتراض عشرة مليارات دينار (ثلاثة مليارات دولار) لتمويل موازنتها العام المقبل، وقد لجأت للاستدانة من صندوق النقد الدولي، ولكن عديدا من المراقبين أكدوا أن تلك القروض لم توظّف في الاستثمار أو دفع التنمية، وإنما في الاستهلاك.

وكان رئيس الحكومة يوسف الشاهد -وهو رئيس الحكومة السابع لتونس بعد الثورة- أعلن في خطاباته عن صعوبة الأوضاع المالية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد، لكنه تعهد بالعمل على الحد من البطالة وغلاء الأسعار وخفض نسبة الاقتراض ورفع نسق النمو.

وبعيدا عن الوضع الاقتصادي الذي تميز بانهيار قيمة الدينار أمام العملات الصعبة، وارتفاع نسبة التضخم وغلاء المعيشة؛ تشهد تونس جوا مشحونا في صفوف الموظفين في القطاع العمومي، ولا سيما لدى الأساتذة المضربين منذ أيام والمطالبين بزيادة منحهم وحوافزهم.

وقد تشهد البلاد -مع قدوم شهر يناير/كانون الثاني المعروف تاريخيا بموجات التحركات الشعبية- احتقانا كبيرا، إذا تمسك الاتحاد العام التونسي للشغل -أكبر منظمة نقابية- بالدخول في إضراب عام يوم 17 من ذلك الشهر، للمطالبة بزيادة رواتب الموظفين.

ويقول لسعد اليعقوبي كاتب عام نقابة التعليم الثانوي -للجزيرة نت- إن البلاد تشهد موجة غير مسبوقة من غلاء الأسعار في شتى المنتجات، وسط غياب الرقابة الاقتصادية للدولة، مما انعكس بشكل سلبي على حياة المواطنين وأضر بأوضاع الأساتذة المهمشين.

أزمة العلاقة بين الرئيس السبسي ورئيس حكومته الشاهد أثرت سلبا على مشهد التوافق السياسي في البلاد (الأناضول)

تجاذبات سياسية
وليس هذا فحسب، إذ تخيم على المشهد السياسي حالة من التجاذبات المتشنجة والمتجلية في الخصام المعلن بين رأسي السلطة التنفيذية، أي رئيس الدولة الباجي قايد السبسي ورئيس الحكومة يوسف الشاهد المدعوم من حركة النهضة الإسلامية وكتلتها.

وبعد تمسك حركة النهضة بالاستقرار الحكومي ورفضها سحب الثقة من الشاهد في البرلمان استجابة لرغبة السبسي، لم يجد الأخير حرجا في إعلان القطيعة معها وإنهاء التوافق الذي حكم بوفقه حزبه نداء تونس وحركة النهضة البلاد منذ انتخابات 2014.

وكادت البلاد أن تدخل في أزمة سياسية خانقة مع تضييق الرئيس التونسي الخناق على يوسف الشاهد ودعوته صراحة للاستقالة، لكن تعديلا وزاريا موسعا أجراه الشاهد منذ أكثر من شهر ونال به ثقة البرلمان أعاد نوعا من الاستقرار إلى البلاد.

وتتحدث أوساط سياسية عن أن الشاهد سيتجه للترشح للانتخابات الرئاسية القادمة في 2019 كبديل سياسي على الساحة، لكنه ما زال في مواجهة مفتوحة مع السبسي ونجله حافظ وبعض قيادات حركة نداء تونس التي وضعت قدما في المعارضة، في حرب معلنة غايتها إسقاط رئيس الحكومة.

طلاق النهضة ونداء تونس
وزاد اشتعال فتيل التوترات السياسة بعد إعلان فك الارتباط بين نداء تونس وحركة النهضة، التي جوبهت بكمٍّ هائل من الاتهامات بالتورط في قضايا إرهابية وامتلاك جهاز سري ضالع في اغتيالات سياسية بعد الثورة وفق اتهامات الجبهة الشعبية المعارضة.

ويقول النائب عن حركة النهضة محمد بن سالم -للجزيرة نت- إن تلك الاتهامات هدفها تشويه سمعة حزبه الخاسر الأكبر من الاغتيالات بخروجه تلقائيا من الحكم عام 2013، مضيفا أن افتعال التجاذبات مع قرب الانتخابات المقبلة محاولة لضرب المسار السياسي في البلاد.

وفيما يتخبط المشهد السياسي في هذه التجاذبات، يشهد أيضا مسار العدالة الانتقالية تعثرا في إنصاف ضحايا النظام السابق.

فبعد مرور ثماني أعوام على ذكرى سقوط النظام الدكتاتوري السابق، لم تنشر السلطات التونسية القائمة النهائية لشهداء الثورة وجرحاها، كما تأخر جبر أضرار ضحايا النظام السابق في وقت انقسم فيه التونسيون بشأن تعويض هؤلاء الضحايا.

على الرغم من مشهد الاحتجاجات والتوتر السياسي فإن كثيرا من التونسيين يرون أن بلادهم تسير على الطريق الصحيح في ظل مناخ الحريات ودولة القانون والمؤسسات (رويترز)

محطات ناجحة
وبالرغم من هذه المناخات، ما زال كثيرون يعلقون الأمل على نجاح التجربة التونسية. يقول الأمين العام للتيار الديمقراطي غازي الشواشي -للجزيرة نت- إن "الثورة أعطتنا أهم ما يمكننا أن نحصل عليه، وهو الحرية"، مقرا بتحقيق نجاحات مقارنة بما وقع في المنطقة.

وأنجزت تونس بعد سقوط النظام السابق عام 2011 أول انتخابات تأسيسية نزيهة، انبثق عنها دستور 2014 الذي يكرس الحقوق والحريات، كما استطاعت بفضل سياسة التوافق تجاوز أزمة سياسية عميقة عام 2013 كادت تجهز على الانتقال السياسي في البلاد.

وقد تم تكريس مبدأ التداول السلمي على السلطة، حيث تداولت سبع حكومات الحكم، منها حكومتان بعد آخر انتخابات عام 2014. وفي مايو/أيار الماضي أنجزت تونس أول انتخابات بلدية يعلق عليها التونسيون آمالهم لتحسين شؤونهم المحلية.

لكن تبقى هناك تحديات سياسية مهمة لدعم هذه الديمقراطية الناشئة، لعل أبرزها انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية لمراقبة دستورية القوانين، وتجديد انتخاب أعضاء هيئة الانتخابات ورئيسها من أجل تمكينها من الاستعداد الجيد لإدارة الانتخابات في 2019.

كما يبقى الهاجس الأمني من أبرز التحديات التي تواجهها التجربة التونسية، مع تواصل تربص جماعات متشددة بالبلاد واستمرار تسجيل اعتداءات إرهابية بلغت حتى قلب العاصمة، بعد تفجير فتاة حزاما ناسفا نهاية أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

المصدر : الجزيرة