ملف اغتيال أبرز معارضي بورقيبة بيد القضاء.. حسابات سياسية أم تعقب للجناة؟

ملف اغتيال أبرز معارضي بورقيبة بيد القضاء.. حسابات سياسية أم تعقب للجناة؟

بن يوسف اغتيل بألمانيا في 12 أغسطس/آب 1961 (مواقع تواصل)
بن يوسف اغتيل بألمانيا في 12 أغسطس/آب 1961 (مواقع تواصل)

منيرة حجلاوي-تونس

قبل أشهر من انتهاء مهامها دستوريا أثارت هيئة الحقيقة والكرامة في تونس جدلا واسعا بإحالتها الأربعاء الماضي إلى القضاء ملف اغتيال الزعيم الراحل صالح بن يوسف أبرز معارضي الحبيب بورقيبة أول رئيس تونسي بعد الاستقلال. 

ويتعلق الملف موضوع الإحالة -وفق بلاغ رسمي للهيئة- بتهمة القتل العمد والمشاركة في جريمة الدولة التي وقعت بمدينة فرانكفورت في ألمانيا في 12 أغسطس/آب 1961، ووجهت أصابع الاتهام إلى الحزب الدستوري بزعامة الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة.

وكشفت العضوة في مجلس الهيئة علا بن نجمة أن الهيئة تمكنت من تحديد هويات عديد الأطراف الضالعة في الاغتيال، بينهم من فارق الحياة ومن شغل مناصب مهمة في الدولة خلال فترة حكم بورقيبة.

وأضافت بن نجمة للجزيرة نت أنه ستتم متابعة الملف إلى حين انتهاء المهام القانونية للهيئة في مايو/أيار 2019، وأن الهيئة تمكنت من كشف أطوار الواقعة عبر وثائق أرشيفية حصلت عليها من ألمانيا وتونس وبعد الاستماع إلى أحد المتهمين في القضية.

 سهام بن سدرين خلال افتتاح أولى جلسات الاستماع العلنية لضحايا حقبة الاستبداد (مواقع)

المفاجأة الحدث
ولم تمر مفاجأة الهيئة -كما وصفها بعض النشطاء- مرور الكرام بين رواد منصات التواصل الاجتماعي الذين انقسموا بين مرحب بالخطوة ومشكك فيها.

"لا عزاء للمتاجرين بدم الشهيد وعذابات اليوسفيين" بهذه الكلمات عنون الناشط السياسي زهير إسماعيل تدوينته على فيسبوك، وشدد على أهمية الخبر وانتقد تجاهل ما وصفه بإعلام العار له.

من جهته، وصف الناشط السياسي محمد بن رجب إعلان هيئة الحقيقة والكرامة بالمفاجأة التي لم ينتظرها أحد، وأنها تستعد بهذه الخطوة لإنهاء أشغالها بإرادتها ووفق القانون الذي بعثها للوجود، قائلا "ما ضاع حق وراءه مطالب".

ومقابل هذا الترحيب انتقدت الناشطة السياسية بثينة برقوقي -وهي من عائلة الحزب الدستوري- بلاغ الهيئة، مخاطبة رئيستها سهام بن سدرين بلهجة حادة "ماذا تريد بن سدرين من إثارة فتنة جديدة؟ هل ستنتصب المحكمة من أجل محاكمة التاريخ؟".

أسئلة طرحت بشأن الدوافع الحقيقية من إقدام هيئة الحقيقة والكرامة على هذه الخطوة يجيب عنها المحلل السياسي فريد العليبي الذي اعتبر أن الأمر يتعلق بتطورات الأزمة السياسية في تونس.

ويشرح العليبي المسألة للجزيرة نت قائلا إن "الهيئة قريبة من حركة النهضة ‏التي تحاول توظيفها في المعركة مع رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي، بينما يوظف هو ملفي ‏الانقلاب والجهاز السري، وبالتالي فإن تحريك الملفات النائمة يمثل بعض ملامح المعركة السياسية بين الحليفين السابقين نداء تونس والنهضة".

ورقة ضغط
وحسب العليبي، فإن الغاية ليست إماطة اللثام عن جريمة الدولة لأنها ‏معلومة من حيث التخطيط والتنفيذ، ‏وإنما في مدى نجاح الخطوة الأخيرة في فرض الحصار على رئيس الدولة ‏وصولا إلى إخراجه من المشهد السياسي باعتباره من تولى حقيبة وزارة الداخلية ‏زمن بورقيبة عندما كان اليوسفيون يلاحقون ويسجنون ويعذبون.

‏ويؤكد المحلل السياسي أن الهيئة ليست خارج الصراعات السياسية، ومن خلالها تحاول حركة ‏النهضة استغلال اسم بن يوسف، وتأمل أن يمثل ذلك ورقة ‏ضغط كبرى على السبسي وصولا إلى فرض تسوية معه بتنازلات متبادلة، وفي حال عدم انصياعه لتلك الرغبة فإن القضاء كفيل بإنجاز مهمة إخراجه من الحكم.

اتهامات الهيئة بتوظيفها سياسيا نفتها بشدة علا بن نجمة، مؤكدة "نثق جدا في القضاء وليست لنا غايات أخرى من إثارة القضية لأنها من مشمولات مهامنا التي تتضمن كشف الحقائق في جرائم التعذيب والقتل التي حدثت من الأول من يوليو/تموز 1955 إلى أواخر ديسمبر/كانون الأول 2013".

يذكر أن الهيئة عقدت يوم 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2016 أولى جلسات الاستماع العلنية وخصصت لشهادات ضحايا الاستبداد وانتهاكات حقوق الإنسان خلال الفترة بين 1955 و2013.

عقلية الإقصاء
في سياق متصل، يرى المؤرخ التونسي عميرة علية الصغير أن الحزب الدستوري بصورة عامة والشق البورقيبي مسؤولان عن عملية اغتيال بن يوسف، مذكرا بأن بورقيبة بارك عملية الاغتيال في خطابه عام 1973.

ويشير الصغير إلى أن قايد السبسي كان من أعمدة النظام البورقيبي بتقلده عديد المسؤوليات، منها حقيبتا الداخلية والخارجية، مما يجعله مسؤولا بصورة مباشرة أو غير مباشرة عن عقلية الإقصاء والاستبداد والقضاء على المعارضين في السجون أو حتى بالاغتيالات.

وكانت الهيئة قدمت يوم الجمعة الماضي آخر جلسة استماع علنية خصصتها لملف توجيه السلطة للإعلام بين 1955 و2013، في حين تتجه الأنظار الآن نحو القضاء الذي سيحسم في القضية.

المصدر : الجزيرة