البدون في الكويت.. جدل قديم متجدد

هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

البدون في الكويت.. جدل قديم متجدد

أنشأت الكويت في 2010 جهازا مركزيا خاصا لتعديل أوضاع البدون (موقع الجهاز المركزي)
أنشأت الكويت في 2010 جهازا مركزيا خاصا لتعديل أوضاع البدون (موقع الجهاز المركزي)
خاص-الكويت

بعد طول مقاطعة للجهاز المركزي لمعالجة أوضاع المقيمين بصورة غير قانونية (البدون) لم يجد أحمد أمامه بدا من مراجعته لاستخراج بطاقة أمنية، فهو رب أسرة ورزقه الله بطفل جديد يريد أن يستخرج له شهادة ميلاد، ومن دون البطاقة الأمنية سيصيب الشلل حياته، فلن يستطيع استخراج إثبات الميلاد لابنه، أو سحب راتبه من البنك، أو قيادة سيارته ولا حتى مراجعة الطبيب.

شجار حامي الوطيس شب بينه وبين أفراد عائلته الكبيرة، فهم يريدونه أن يستمر في مقاطعة الجهاز المركزي لكثرة العراقيل التي يضعها أمامهم في تسيير حياتهم اليومية، في تضاد مع ما أنشئ من أجله لتسهيل حياتهم.

وقبيل استلام البطاقة الأمنية، لا يجد أحمد وغيره مفرا من توقيع إقرار بصحة المعلومات التي سترد في البطاقة لكن قبل أن يراها أصلا، وتكتمل صدمته عند استلامها حين يجد مكتوبا عليها جملة "لدى الأب قرينة دالة على الجنسية العراقية".

يقول أحمد -للجزيرة نت- "كيف يكون لوالدي قرينة دالة على جنسيتي العراقية وهو يمتلك وثيقة تثبت في إحصاء عام 1970 أنه كويتي؟".

يحاول أحمد أن يغير من هذا الواقع شيئا، فيجد كل الأبواب موصدة أمام احتجاجاته، وحتى مطالباته بنسخة من الوثائق التي تدل على أن والده عراقي أو حتى مجرد الاطلاع عليها ترفض، فيعود أدراجه إلى مسكنه وهو يتمتم بكلمات الاستهجان لنكران حقه في ذلك وبالتبعية حقوق أبنائه.

يستذكر أحمد فترة دراسته الجامعية فيقول إنه كان متفوقا فيها، إذ حاز على امتياز مع مرتبة الشرف، وبقي يبحث عبر الإنترنت عن منح دراسية إلى أن حصل على واحدة من جامعة غرب فرجينيا الأميركية للعمل على تدريس اللغة العربية مقابل إكمال شهادة الماجستير، لكن آماله تحطمت على صخرة الحصول على جواز السفر حيث إن الجواز الذي يصرف له تحت بند مادة (17) لا يكون ساري المفعول سوى لتسعة أشهر في حين أن السفارة الأميركية اشترطت عليه أن يكون صالحا لعامين، ليتم الحجز على جوازه عند مراجعة إدارة الجنسية وتضيع المنحة الدراسية وتضيع معها أحلامه.

البطاقات الأمنية للبدون عرّفت حامليها بكثير من التعريفات في خانة الجنسية، فهم تارة "غير مبين"، وأخرى "مقيم بصورة غير قانونية"، وثالثة "غير محدد الجنسية" وأخيرا "جنسيات مختلفة".

ومفردة البدون هي الوصف الشعبي لفئة من أهل البادية دأبت الجهات الكويتية الرسمية على إطلاق عدد من الأوصاف عليهم بعد ظهور النفط في الكويت، فهم كانوا "كويتيين"، ثم "كويتيين من البادية"، وتحولوا إلى "غير كويتيين" ثم إلى "غير محددي الجنسية" وصولا إلى "مقيمين بصورة غير قانونية"، وذلك وفقا لمصادر من البدون.

البدون يقولون إنهم أشخاص ولدوا في الكويت ولم يغادروها يوما أو يعرفوا غيرها وطنا لهم، لكن السلطات الكويتية الرسمية تعتبرهم أشخاصا مقيمين بصورة غير مشروعة أو غير محددي الجنسية.

رئيس الجهاز المركزي لمعالجة أوضاع المقيمين بصورة غير قانونية (البدون) صالح الفضالة كان له تصريح مؤخرا خلال مؤتمر صحفي عقده بأحد دواوين (مجالس) الكويت مفاده أن 90% من البدون باتوا يملكون بطاقات تحمل جنسيات بلدانهم الأصلية التي قدموا منها، وهو تصريح أثار استياء في أوساط البدون، وشهد تضامنا واسعا من الكويتيين أنفسهم ظهر جليا على مواقع التواصل الاجتماعي وخاصة تويتر.

البطاقات الأمنية للبدون عرّفت حامليها بكثير من التعريفات في خانة الجنسية (الجزيرة نت)

الفضالة أضاف أنه ومنذ 1986 وحتى تأسيس الجهاز المركزي في 2010 كان الشخص من "البدون" يمتلك بطاقة لا تحدد جنسيته، أما اليوم فهو يمتلك واحدة حسب جنسيته "سعودي" أو "عراقي" أو "سوري" أو "أردني".

تصريح الفضالة دفع المغردين لإطلاق وسوم (هاشتاق) متعددة كان أبرزها وسم مسيء للفضالة شهد انتشارا واسعا، حيث ذهب أغلب المغردين إلى التشكيك في صحة كلامه، وطالبوه بالكشف عن الوثائق التي تثبت الجنسيات الأصلية للبدون، إن صح امتلاك الجهاز المركزي لها.

مغردون آخرون تحدوا الفضالة في أن يحيل هؤلاء إلى النيابة أو إلى سفارات البلدان التي يقول إنهم ينتمون إليها، متسائلين لماذا يتستر جهاز حكومي على مزور ومقيم بصورة غير قانونية بعد ثماني سنوات منذ بدء عمل الجهاز؟

وبينما تعاطفت نسبة كبيرة من المغردين مع من يسمونهم بـ "البدون" الكويتيين وقضيتهم، أثار الوسم استياء البعض الآخر، مشيرين إلى الفضالة وما قدمه في مجال الخدمة العامة داخل الكويت في أكثر من موقع أسند إليه، مطالبين باحترامه والتوقف عن الإساءة إليه.

لكن بعض المغردين البدون عادوا للتساؤل، إن صح كلام الفضالة فكيف لعائلة واحدة من أب وأم أن يحمل أحد أبنائهم الجنسية البحرينية، في حين يحمل آخر الجنسية العراقية؟

"حكومات هذه الدول لا تعترف بنا أصلا"، بهذه الكلمات عبّر عبد الحكيم الفضلي الناشط في مجال حقوق الإنسان وقائد الحراك المدني والسلمي للكويتيين البدون للجزيرة نت عن عدم رضاه بل وامتعاضه من تصريحات الفضالة.

وتساءل الفضلي، لماذا لا يحول الجهاز المركزي أي واحد من "البدون" إلى القضاء أو مباحث الهجرة أو الجنسية والجوازات إن كان فعلا يمتلك وثائق تثبت تبعية 90% منهم؟

ويرى الفضلي أن تصريحات رئيس الجهاز المركزي لمعالجة أوضاع المقيمين بصورة غير قانونية موجهة لإرضاء فئة كويتية معينة وغير موجهة للبدون أو الدول التي تحدث عنها.

ويوضح الفضلي أن الفضالة يقول إنه لا يعترف سوى ب 93 ألف شخص من البدون، ثم يعود ويتحدث عن أن 34 ألفا فقط هم من يستحقون الجنسية بالمجمل، في حين أن تعدادهم يصل إلى 200 ألف -وفقا للفضلي في ظل انعدام تعداد رسمي لهم- وتارة يخرج الفضالة بتصريح بأنه يمتلك أدلة على وجود 67 ألف مزور لجنسياتهم، ومرة أخرى يقول إن لديه خمسة ملايين وثيقة تثبت أن البدون مزورون.

وأشار الفضلي إلى أنه يعكف حاليا مع مجموعة من الناشطين في مجال حقوق الإنسان على مخاطبة سفارات السعودية والعراق وسوريا والأردن عبر مكاتبات رسمية لمطالبتها بإثبات أن هؤلاء يتبعون لها والرد على الفضالة.

كما أكد أنهم بصدد رفع قضايا قانونية على الجهاز المركزي وعلى شخص صالح الفضالة لتحمل المسؤولية القانونية لإثبات صحة كلامه.

من جانبها، طالبت الناشطة الكويتية في مجال حقوق الإنسان هديل بوقريص الجهاز المركزي بإظهار الجنسيات الأصلية والإثباتات الورقية التي تحدث عنها الفضالة.

وأوضحت بوقريص أن الجهاز المركزي يرغب في الإسراع بإنهاء هذه القضية خلال فترة زمنية قصيرة، قبيل انتهاء الوقت الذي حددته الأمم المتحدة لإنهاء قضية انعدام الجنسية -ليس في الوطن العربي فحسب- وإنما في العالم بأسره.

الفضلي يعكف حاليا مع حقوقيين آخرين على مخاطبة بعض السفارات ومطالبتها بإثبات تبعية البدون لها (الجزيرة نت)

على الجانب الآخر أشار عضو مجموعة الثمانين –المعارضة لتجنيس البدون- أسامة الخشرم في حديث للجزيرة نت إلى أن الجنسيات التي وضعها الجهاز المركزي على البطاقات صحيحة، مشددا على موقف المجموعة الثابت ضد العبث بالتركيبة السكانية الكويتية.

ومجموعة الثمانين كما تعرف عن نفسها، هي مجموعة من ثمانين عضوا من الشخصيات الكويتية الفعالة تقول إن هدفها مواجهة ما تصفه بالتزوير في الجنسية الكويتية، إلى جانب جميع قضايا الفساد الأخرى، وأن تبقى الكويت لأهلها.

الخشرم جدد موقف المجموعة من القضية حيث قال إنهم ضد ما سماه بالتزوير "وضد كل من يدعي زورا وتدليسا أنه ينتمي إلى الكويت وهو لا ينتمي لها إذ إنه دخل البلاد في الستينيات بشكل قانوني من خلال إقامة عمل وأخفى هويته وادعى أنه بدون".

وأضاف الخشرم أن كثيرا من المنتمين لجاليات عربية عملوا في الكويت خلال الثلاثينيات والأربعينيات بكل إخلاص وأمانة ولم يخفوا وثائقهم، وبعضهم تقدم بطلب للحصول على الجنسية وحصل عليها وفقا للقانون.

ومن وجهة نظره، فإن الكويت تقدم خدمات مادية ومميزات كثيرة لحاملي جنسيتها، وهي مميزات يؤكد أنها لا تتوفر في كثير من الدول المجاورة، وبالتالي يرغب الكثير من مواطني هذه الدول في الجنسية الكويتية، وهؤلاء ادعوا خلال حقبة من الزمن انتماءهم إلى الكويت.

ويأتي هذا الجدل بعد أيام قليلة من إعلان 11 نائبا في مجلس الأمة الكويتي تأييدهم للاقتراح الذي تقدم به النائب ناصر الدوسري ويقضي بإلغاء الجهاز المركزي، وذلك عقب اتهام أحد الشباب البدون بمحاولة اغتيال الفضالة، بعد تغريدة كتبها الشاب في تويتر قيل إنها تنطوي على تهديد للفضالة، ليجري توقيف الشاب من قبل وزارة الداخلية، قبل أن يبرأ ويفرج عنه بقرار من النائب العام، ومن ثم شطب القضية وهو ما أثار موجة من الانتقادات للفضالة.

المصدر : الجزيرة