مقبرة الغرباء.. عندما تدفن الأحلام على شواطئ تونس

قبر أحد المهاجرين الأفارقة بمقبرة الغرباء (الجزيرة نت)
قبر أحد المهاجرين الأفارقة بمقبرة الغرباء (الجزيرة نت)

حياة بن هلال-جرجيس (تونس)

يخرج شمس الدين مرزوق من منزله الكائن في جرجيس الساحلية بالجنوب التونسي قبل شروق الشمس ليبدأ رحلة بحث فريدة من نوعها على شواطئ مدينته القريبة من الحدود الليبية.

يقترب الرجل من شاطئ "الكتف" لينطلق في عملية تمشيط قد تتواصل لساعات بحثا عن جثث مهاجرين غير نظاميين بات البحر يقذفها باستمرار على سواحله.

يمشي ببطء مرتديا حذاءه البلاستيكي العازل للماء وسترته الرمادية ومظلة تحميه من أشعة الشمس الحارقة، يدور ببصره هنا وهناك لعله يرى شيئا ملفتا فيسرع الخطى ويتثبت فورا مما رأى فإذا وجد شيئا من قبيل قطع لوح أو حبل أو أي شيء آخر قد يكون دليلا على وجود جثة قريبة منه يحاول التركيز أكثر في أرجاء المكان متشوقا كأنه محقق وجد أول "خيط" لملابسات جريمة غامضة.
معبر مهم
وتعتبر مدينة جرجيس من أكثر المدن الساحلية التي يجتاز عبرها المهاجرون غير النظاميين الحدود، فبعد أن كانت قوارب الهجرة تنطلق من ليبيا أصبحت تخرج من سواحل جرجيس نظرا لتردي الأوضاع الأمنية في الجار الليبي.
 
شمس الدين يتمم مراسم الدفن بمعاونة صديق (الجزيرة نت)
وقد بلغ عدد المهاجرين السريين من جرجيس قرابة الخمسة آلاف مهاجر منذ 2011، الأمر الذي جعل عدد الجثث الملقاة على السواحل لا ينقطع على مدار السنة.
ما إن يعثر شمس الدين عن ضالته حتى يضع الجثة في كيس ثم يأخذها لسيارته رباعية الدفع ويوصلها إلى المستشفى، حيث تتم معاينتها بحضور الحرس الوطني.
يكمل شمس الدين الإجراءات ويغادر حاملا الجثة أو الجثث إلى المقبرة الكائنة في منطقة الكتف، بعيدا عن العمران.

إجراءات الدفن
المقبرة عبارة عن مساحة ترابية مطوقة بأشجار الزيتون التي تشتهر بها مدينة جرجيس، وتضم قبورا في شكل متواز على طول المساحة، ويبعد القبر عن الآخر مسافة تقارب نصف المتر جعلها شمس الدين لتسهيل مرور مياه الأمطار.
وعند وصوله يجد القبر الذي حفره آنفا جاهزا لاستقبال "الجثة" يضع شمس الدين صندوق الجثة جانبا ويلقي نظرة على القبر ليتثبت من جاهزيته وبمساعدة أحد رفاقه أو زملائه من الهلال الأحمر التونسي الذين لا يبخلون بمساعدته كلما اقتضى الأمر.
يخرج الرفات بكل حذر ويضعه برفق وسط القبر ويشرع في غمر الميت بالتراب إلى أن يغطى تماما ويقرأ عليه ما تيسر من الذكر الحكيم، ثم يضع عليه ورودا كان قد أحضرها سابقا وزرعها في المقبرة منذ أنشأها، ثم يرش قليلا من الماء لتثبيته وينفض يديه ويمسح بطرف كمه عرقا تصبب من جبينه.
يرجع إلى الوراء قليلا ليلقي نظرة أخيرة لعله نسي تسوية شيء ثم يبتسم ابتسامة رضا مليئة بحزن دفين يراوده كلما وجد جثة إنسان ملقاة في عرض المحيط كغيرها من الأشياء.

بداية الرحلة
على الرغم من حساسية المهمة وصعوبتها فإن شمس الدين جذلان بعمله الإنساني الذي اختاره دون أن يجبره عليه أحد بعد انضمامه إلى منظمة الهلال الأحمر التونسي تطوعا ليواصل مهمته النبيلة التي لا ينتظر من ورائها مقابلا أو شكرا، حسب قوله.

شمس الدين بصدد زراعة ورود على قبر برفقة أحد الأفارقة المهاجرين (الجزيرة نت)
جلس شمس الدين على حجر بجانب المقبرة رافعا المظلة عن رأسه وجال ببصره في أرجاء مقبرة المهاجرين أو "مقبرة الغرباء" كما سماها وبدأ يروي قصتها وكيف راودته فكرة تأسيسها.
قال إنه ذات مساء وبينما كان يصطاد في عرض البحر جالت أمام ناظريه ثلاث جثث طافية على سطح الماء فدعاه الوازع الإنساني فانتشلها وعاد إلى اليابسة لدفنها إكراما للذات البشرية.
كانت تلك بداية رحلة شمس الدين الإنسانية حيث دفعه حب الخير إلى اتخاذ هذه المهمة كواجب إنساني محتم لينشئ مقبرة بأكملها ويواصل بحثه عن جثث يواريها التراب، رافضا قطعا عملية الدفن الجماعي التي التجأت إليها السلطات سابقا.
وقد آلمته جدا عمليات الدفن الجماعي الذي كانت تقوم بها البلدية لجثث المهاجرين، وانتفض قائما وهو يعدل مظلته وقال بحدة متجها بصوته نحو جمع من المارة وكأنه يريدهم أن يؤيدوا كلامه "إن المقبرة الجماعية غير لائقة بالذات البشرية".
يصمت قليلا ويضيف "لقد كانت مكب فضلات، ومن غير اللائق أن يدفن إنسان مع الفضلات أو حتى مع بني جنسه في قبر واحد".

قلب الأسد
لم يرض شمس الدين لأناس هربوا من جحيم واقعهم الذي كانوا يعيشونه أن يهانوا حتى بعد مماتهم على الرغم من تحذيرات الكثيرين له بالعدول عن هذا العمل خوفا من الأمراض التي قد تنقل له من الجثث.
 
لا يعرف لائموه أن لشمس الدين "قلب أسد"، وهو مؤمن بأن كل ابتلاء هو من عند الله كما حدثنا صديقه المقرب محمد الذي أشاد بشجاعة صديقه وصموده حيال مشاهد أقل ما يقال عنها إنها مرعبة.
جال محمد متجها ببصره نحو شمس الدين وعلامات الفخر تعلو محياه "تارة يجد جثة بلا رأس وأخرى ينقصها أحد الأطراف أو جميعها، وطورا يجد أعضاء بشرية متناثرة هنا وهناك فيجمعها ولا يتراجع البتة بل يواصل مهمته بفرحة ممزوجة بالحزن وبالدموع أحيانا نظرا للمشاهد المؤثرة التي يراها أثناء عمله على غرار جثة امرأة سورية وهي تحتضن ابنها".
طأطأ شمس الدين رأسه تأكيدا لكلام صديقه واستطرد قائلا "كان مشهدا مأساويا بأتم معنى الكلمة، فالأم لم تفارق ابنها حتى في لحظات الموت، وقد دفنته إلى جانبها إكراما لها".
الجثة بالنسبة لشمس الدين بمثابة كنز ثمين يواريه التراب تفوت قيمته الكنوز الدنيوية الزائلة، بل هو ثواب ينفعه يوم الحساب، وفق تعبيره.

جنة أرضية
لا يكتفي شمس الدين بعمليات الدفن فقط بل إنه حول المقبرة إلى جنة أرضية بزراعة الورود على القبور وغرس قرابة مئة شجرة في المقبرة ليخفف وطأة الحزن المخيم على المكان بمشاركة مجموعة من الأطفال.
شمس الدين وأحد المهاجرين أمام لافتة المقبرة (الجزيرة نت)

استضاف الرجل هؤلاء الأطفال ليس فقط لزرع الأشجار بل ليغرس في قلوبهم الصغيرة حب الخير وقيمة العمل الإنساني الذي لا يحتاج إلى تعليم المدارس التي لم يدخلها شمس الدين يوما.

ولنستحضر هنا مقولة المهاتما غاندي "لا يجب أن تفقدوا الأمل في الإنسانية، فهي محيط وإذا ما كانت بضع قطرات في المحيط قذرة فلا يصبح المحيط بأكمله قذرا".

غدا دفن المهاجرين بالنسبة لشمس الدين وزملائه في منظمة الهلال الأحمر التونسي مسؤولية لا يمكن التخلي عنها، حسب منجي سليم طبيب ورئيس الهيئة الجهوية للهلال الأحمر في مدنين الذي أشاد بمبادرة "مرزوق" الإنسانية.

وقال إنهم جمعوا مبلغا ماليا لشراء قطعة أرض سيحيلونها إلى البلدية لتهيئتها ودفن المهاجرين في مكان لائق بالذات البشرية، وقد لقوا تجاوبا من طرف رئيس بلدية جرجيس.

المصدر : الجزيرة